رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من صحراء الصعيد إلى أسواق العالم.. رحلة كنز مصر الزراعي بقلب الأقصر

جانب من فرز الطماطم
جانب من فرز الطماطم

الأقصر قلب الصعيد النابض بالحياة والزراعة، ليست مجرد محافظة على خريطة مصر، بل هي رمز لتحول الإنسان والطبيعة معًا إلى قوة تنتج الخير وتزرع الأمل.

الطماطم المصرية

ففي رحاب أراضيها الخصبة، حيث تتلاقى الشمس مع الأرض في لوحة من الإنتاجية والصبر، تولد الطماطم المصرية ليس مجرد محصول زراعي، بل قصة فلسفية عن الوفرة والعمل، عن الإبداع في الاستفادة من الأرض، وعن قدرة الإنسان على تحويل كل بذرة إلى قيمة مضافة تتجاوز حدود الزراعة لتصل إلى الأسواق العالمية.

هنا، بين الحقول والمناشر والمصانع، تتجلى قدرة مصر على الربط بين الماضي المجيد والحاضر الطموح، لتصنع من الطماطم المجففة رمزًا للاستدامة الاقتصادية والقوة التنافسية التي تتحدى الزمن.

وفي قتٍ تتسابق فيه الدول لتعزيز أمنها الغذائي وتعظيم عوائدها التصديرية، تفرض الطماطم المصرية نفسها كأحد أهم المحاصيل الاستراتيجية القادرة على الجمع بين الوفرة الإنتاجية والقيمة المضافة، لتتحول من محصولٍ تقليدي إلى ثروة زراعية وصناعية تتحدث بلغة الملايين.

إنتاج ضخم وعوائد متنامية

فحسب أحدث المؤشرات الزراعية، يقترب إنتاج مصر من الطماطم من 7.1 مليون طن سنويًا، بينما بلغت صادرات الطماطم الطازجة نحو 67 ألف طن، في دلالة واضحة على تنامي القدرة التنافسية للزراعة المصرية في الأسواق العالمية.

ولم تتوقف المكاسب عند حدود التصدير الطازج، إذ حققت الصناعات التحويلية المرتبطة بالمحصول—وعلى رأسها التجفيف—عوائد تجاوزت 100 مليون دولار، ما يعكس التحول من تصدير الخام إلى تعظيم القيمة المضافة.

الأقصرمركز الثقل

فيما تحتل الأقصر موقعًا متقدمًا ضمن خريطة إنتاج الطماطم في مصر، بفضل ما تتمتع به من مناطق تركز للزراعات المكشوفة والصوب، إلى جانب تميز العروات الصيفية المبكرة في مناطق الصعيد بإنتاجية مرتفعة وجودة عالية.

ويُعد محصول الطماطم ثاني أهم محصول شتوي في الأقصر بعد قصب السكر، ما يمنحه بعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا بالغ الأهمية.

من الحقل إلى العملة الصعبة

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الأقصر تحولًا نوعيًا مع صعود الطماطم المجففة كأحد أهم الكنوز الزراعية الشتوية؛ حيث تبدأ رحلة التجفيف سنويًا مع حصاد ديسمبر، لتدخل الثمار مراحل التجفيف الشمسي في مناشر متخصصة تمتد عبر القرى والنجوع، قبل أن تنطلق إلى أسواق أوروبا والأمريكيتين والدول العربية.

حيث يرتفع الطلب على هذا المنتج لاستخداماته المتعددة في الصلصات والبيتزا والصناعات الغذائية.

وقد تحولت فكرة التجفيف إلى مشروع قومي حقيقي يخدم الدولة والمزارعين معًا، إذ يحقق للمزارع توازنًا ماديًا بين البيع المحلي والتصدير، ويحميه من تقلبات الأسعار، بينما يوفر للبلاد عملة صعبة ويعزز سلاسل القيمة الزراعية.

مصر الثاني عالميًا

وفي ذلك الصدد يؤكد المهندس محمد فؤاد حسن، وكيل وزارة الزراعة بالأقصر، أن النجاحات المتراكمة دفعت مصر إلى احتلال المركز الثاني عالميًا في إنتاج الطماطم المجففة بعد الصين، التي تتصدر المشهد بإنتاج يتجاوز 50 مليون طن سنويًا.

وتُصدر الطماطم المجففة المصرية إلى دول مثل إيطاليا والولايات المتحدة والبرازيل، فضلًا عن أسواق عربية متعددة؛ ويباع الكيلو عالميًا—بعد التعبئة بزيت الزيتون والتوابل—بسعر يبدأ من 5 دولارات.

أرباح وفرص عمل

انتشار مناشر تجفيف الطماطم في الأقصر لم يكن صدفة؛ بل نتيجة مباشرة لارتفاع أرباح المزارعين وزيادة الصادرات.

هذا النجاح دفع كثيرين إلى تخصيص جزء من محصولهم للتجفيف، ما أسهم في زيادة الدخل وخلق فرص عمل موسمية ودائمة، لا سيما للسيدات الريفيات والشباب في مراكز إسنا وأرمنت.

قصة نجاح

انطلقت تجربة التجفيف بقوة عام 2015 عبر تعاون مع مزارعي جنوب الصعيد وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، التي تولت تدريب المزارعين على تقنيات التجفيف، وربط المنتجين بالأسواق العالمية، وتذليل العقبات التسويقية.

ومع مرور الوقت، تضاعفت أعداد المناشر، وارتفعت قيمة الطماطم المنتجة بنسبة 100%، في نموذج عملي للتنمية المستدامة.

كنز الطماطم المجففة بالكيمان

ضمن هذا المسار، أُنشئ مجمع الصناعات الغذائية لتجفيف الطماطم بقرية الكيمان بمركز إسنا على مساحة 8.5 فدان؛ حيث يضم المجمع مبنى إداريًا، وهنجرًا معدنيًا لخطوط الإنتاج، وثلاثة مناشر تجفيف بإجمالي مساحة 3600 متر مربع، إضافة إلى ثلاجات للحفظ والتبريد.

ويحتوي خط الإنتاج الأول على مراحل متكاملة للغسيل والترشيح وإعادة استخدام المياه، والتقطيع، بينما يختص الخط الثاني بالغربلة والفرز والتعبئة النهائية، مع ماكينة كشف معادن لضمان الجودة.

كما جُهز المجمع لتجفيف محاصيل أخرى مثل النباتات الطبية والعطرية وفلفل الهالبينو، بما يعزز تنوع الإنتاج وفرص العمل.

ومن المتوقع أن يوفر المجمع نحو 200 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، بما يدعم الاقتصاد المحلي ويرسخ مفهوم توطين التصنيع الزراعي.

عقود تشغيل واستثمار

فيما شهدت هيئة تنمية الصعيد توقيع عقود تشغيل المجمع عقب طرحه للمستثمرين في مزايدة علنية تنافست فيها أكثر من عشر شركات، ورست على شركة متخصصة في التنمية المستدامة وتجفيف المحاصيل الاستراتيجية، في إطار توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بأهمية تعميق التصنيع الزراعي وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية.

وفي النهاية فما تشهده الأقصر اليوم ليس مجرد موسم زراعي ناجح، بل تحول استراتيجي يعيد تعريف دور الزراعة في الاقتصاد الوطني.

فمن الحقول إلى المناشر، ومن الصعيد إلى الأسواق العالمية، تثبت الطماطم المصرية "وخاصة المجففة"، أن الاستثمار في القيمة المضافة هو الطريق الأقصر نحو التنمية المستدامة، وزيادة الدخل، وتعزيز مكانة مصر على خريطة الغذاء العالمية.

تم نسخ الرابط