بين الصخور والمخاطر.. مشروع غامض يعيد رسم خريطة السكن برأس غارب
محافظة البحر الأحمر ليست مجرد امتداد صخري على ساحل مصر، بل مساحة تتقاطع فيها الحياة مع المخاطر، والطموح مع الطبيعة، لتصبح القرارات التنموية فيها أكثر من مجرد تخطيط عمراني؛ إنها فلسفة حماية الإنسان وإعادة بناء الأمل.
رأس غارب
في هذا الإطار، يأتي مشروع روضة رأس غارب كرمز لإرادة الدولة والمجتمع في تحويل مناطق العشوائيات الخطرة إلى أحياء آمنة، حيث يصبح البيت ليس مجرد جدران وأسقف، بل ملاذًا يوفر الحماية والاستقرار، ويجسد العلاقة بين الإنسان والبيئة المحيطة به.

إن هذا المشروع يعكس سؤالاً عميقًا عن طبيعة التنمية، هل يكفي البناء المادي، أم أن التغيير الحقيقي يبدأ بتوفير الأمان والكرامة للإنسان، مع إعادة صياغة المكان بما يتوافق مع حياة الناس واحتياجاتهم الاجتماعية والثقافية؟
بدأت القصة من إسكان روضة رأس غارب، الذي يُعد نموذجًا متكاملاً لتطوير العشوائيات وحماية السكان من المخاطر الطبيعية، بما يعكس حرص الدولة على تقديم حلول سكنية آمنة ومتكاملة، تتوافق مع الخصائص الاجتماعية والثقافية للسكان المحليين.
من العشوائيات لحي متكامل
ويأتي مشروع روضة رأس غارب ضمن جهود صندوق تطوير العشوائيات بمجلس الوزراء، الذي منح مدن محافظة البحر الأحمر اهتمامًا خاصًا نظرًا لتعرض بعض المناطق لمخاطر طبيعية جسيمة.
وكانت منطقة عشش الجبل من المناطق الأكثر خطورة، نظرًا لتعرضها للانهيارات الصخرية وفقًا لتقارير المخاطر الجيولوجية، ما استدعى نقل سكانها إلى وحدات سكنية بديلة آمنة.

واستهدف المشروع نقل 545 أسرة من مناطق غير آمنة إلى منطقة روضة رأس غارب، ليصبح بإمكانهم العيش في بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا، مع توفير مساكن تتلاءم مع احتياجاتهم الاجتماعية والثقافية.
تصميم عصري وملائم
يشمل المشروع تنفيذ 32 وحدة سكنية داخل عمارات، بالإضافة إلى 513 بيتًا بدويًا مستقلًا، مصممة وفق خصائص الأسر المحلية، فكل بيت بدوي يحتوي على 3 غرف وصالة وحوش بمساحة 150 متر مربع.
كما تقسم المنطقة إلى بلوكات منظمة لتسهيل الخدمات والمرافق، بالإضافة إلى توفير بيئة مناسبة للتوسع الاجتماعي والعائلي مع الحفاظ على الخصوصية.
وكانت بلغت تكلفة المشروع الإجمالية نحو 600 مليون جنيه، تشمل البناء والتجهيزات اللازمة لتوفير بيئة سكنية آمنة ومستدامة للسكان.
حي متكامل
لم يقتصر المشروع على البناء وحده، بل تضمن إنشاء حي متكامل من المرافق والخدمات الأساسية، تشمل شبكة مياه وصرف صحي متطورة، بالإضافة إلى كهرباء وشبكات اتصالات حديثة، وكذا شوارع معبدة ومسارات للمشاة، ومناطق مفتوحة ومساحات خضراء لتوفير جودة حياة أفضل للسكان.
فيما تسعى الدولة من خلال هذه المبادرات إلى تحويل مناطق العشوائيات إلى أحياء حضرية متكاملة، تضمن الأمان والاستقرار، وتدعم التنمية المستدامة في المدن الساحلية.

أثر اجتماعي واقتصادي
ومن المتوقع أن يستفيد من المشروع نحو 2730 نسمة، موزعين على 546 وحدة سكنية، ما يسهم في حماية الأسر من المخاطر الجيولوجية، بالإضافة إلى تحسين جودة الحياة وتوفير بيئة صحية وآمنة، وإعادة توزيع السكان بشكل منظم بما يتيح فرصًا للتنمية العمرانية والخدماتية، وكذا دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مدينة رأس غارب.
كما يعكس المشروع التزام الدولة بتلبية احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، وتحويل السياسات التخطيطية إلى واقع ملموس يلمسه المواطنون على الأرض.

نحو تطوير مستدام
وفي النهاية يمثل مشروع روضة رأس غارب نموذجًا يُحتذى به في كيفية تحويل مناطق العشوائيات الخطرة إلى أحياء حضرية متكاملة الخدمات، مع الحفاظ على الخصوصية الاجتماعية والثقافية للسكان.
وتعكف الجهات المعنية على متابعة المشروع بعد تسليمه لضمان استدامة الخدمات والمرافق، مع العمل على مشاريع مشابهة في مناطق أخرى من المحافظة لتعميم التجربة ورفع مستوى معيشة المواطنين في المناطق الأكثر عرضة للخطر.



