بين الردع والعقوبات.. كيف يدير النظام الإيراني أزماته المتراكمة؟
في ظل تصاعد التوتر حول الملف النووي الإيراني، وتواصل الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية، تتزايد التساؤلات بشأن طبيعة المشروع النووي، ومستقبل النظام، وحدود المناورة بين الداخل والخارج، في هذا السياق، قدم الدكتور هاني سليمان، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات والخبير في الشأن الإيراني، في حواره لموقع “الجمهور” قراءة تحليلية معمقة لطبيعة البرنامج النووي، وأثر العقوبات، ودلالات الاحتجاجات، وحدود الانقسام داخل النظام، كاشفًا كيف تدير طهران أزماتها عبر مزيج من الردع، والمناورة، والضبط الأمني.

هل البرنامج النووي الإيراني سلمي كما تؤكد طهران، أم أن له أهدافًا عسكرية؟
على الرغم من تأكيد النظام الإيراني، ومستشار المرشد، والمرشد علي خامنئي نفسه، أن البرنامج النووي ذو طابع سلمي، فإن هذه الرواية تستند أساسًا إلى فتوى دينية تحرم إنتاج السلاح النووي، لكن هذه الفرضية، من وجهة نظري، غير واقعية إلى حد كبير.
وإيران، بحساباتها الأيديولوجية والاستراتيجية، تنظر إلى امتلاك القدرة النووية باعتبارها وسيلة ردع وتوازن استراتيجي، خصوصًا في مواجهة إسرائيل، قد لا تسعى لإعلان امتلاك قنبلة نووية، لكنها تعمل على الوصول إلى “العتبة النووية”، بما يمنحها تفوقًا نوعيًا ورسالة ردع واضحة، وإنكار النية العسكرية هو جزء من الخطاب الرسمي، لكن الهدف النهائي للبرنامج، في جوهره، هو امتلاك خيار الردع النووي متى دعت الحاجة.

شهدت إيران موجات احتجاج متكررة.. هل يمكن القول إن الحكومة فقدت شرعيتها؟
نعم، هناك فقدان واضح للشرعية، لكن يجب التمييز بين فقدان الشرعية وسقوط النظام، الشرعية هنا نسبية، لكنها تآكلت بشكل ملحوظ، والحكومة فشلت في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطن الإيراني، في ظل ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وتراجع مستوى المعيشة.
كما أن النظام فضل الإنفاق الخارجي ودعم الميليشيات على حساب الداخل، ورفع الدعم عن قطاعات حيوية، دون تقديم بدائل حقيقية، بالإضافة إلى ذلك سوء إدارة الملفات السياسية، ما جعل إيران عرضة لعقوبات أمريكية وأوروبية متزايدة، فزادت معاناة المجتمع، أمنيًا، تعامل النظام مع الاحتجاجات بالقمع والملاحقة، وهو ما عمّق أزمة الشرعية بدلًا من احتوائها.

إلى أي مدى أثرت العقوبات الاقتصادية على الاقتصاد الإيراني؟
العقوبات الاقتصادية قتلت الاقتصاد الإيراني فعليًا، والعقوبات الأمريكية طالت قطاعات حيوية، مثل النفط، والوقود، والبتروكيماويات، والصناعات الثقيلة والكهربائية، وحتى الأسمدة، وعلى الرغم من أن إيران حاولت التكيف عبر شبكات غير رسمية، والالتفاف على العقوبات بمساعدة بعض الدول، لكن هذه حلول محدودة.
آلية “الزناد” الأوروبية، إلى جانب العقوبات الأمريكية، ضيقت الخناق على القطاعات الصناعية والعسكرية والصاروخية، وقيدت حركة الشحن والتمويل، والنتيجة كانت تراجع العوائد إلى أدنى مستوياتها، وعزلًا اقتصاديًا شبه كامل، ومنع الشركات الأجنبية من دخول السوق الإيرانية، إلى جانب إقصاء إيران عن النظام المالي الدولي، وفرض عقوبات قاسية على البنوك، كل ذلك خلق حالة شلل اقتصادي عميق.
هل إيران مستعدة للتنازل عن برنامجها النووي لتفادي ضربة عسكرية؟
إيران مستعدة للتنازل عن تفاصيل، لكنها غير مستعدة للتخلي عن البرنامج النووي بالكامل، لن تقبل طهران بسياسة “صفر تخصيب”، أو إنهاء البرنامج نهائيًا، لكنها قد تُبدي مرونة في نسب التخصيب، وكميات اليورانيوم المخزنة، ونوعية أجهزة الطرد المركزي، ومستويات الشفافية، والتعاون مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التخلي الكامل عن البرنامج يُعد خطًا أحمر، لأنه يمس جوهر الردع والمكانة الاستراتيجية لإيران.

تتهم طهران الولايات المتحدة وإسرائيل بالتدخل في شؤونها الداخلية.. ما مدى صحة هذه الاتهامات؟
هذه الاتهامات تحمل بُعدين، البعد الأول أن الدول الغربية لم تصنع أسباب الاحتجاج من الأساس، الاحتجاجات نابعة من واقع اقتصادي صعب، وعقوبات خانقة، وسخط شعبي حقيقي على سياسات النظام، ليست مؤامرة بالمعنى التقليدي.
والبعد الثاني أن التدخل الخارجي موجود بالفعل، لكن في مرحلة لاحقة، من خلال محاولة توجيه الاحتجاجات، وتأجيج العنف، وربما اختراق المشهد عبر عناصر مندسة أو شبكات تعمل على رفع وتيرة التصعيد، وهذا التدخل لم يُنشئ الاحتجاج، لكنه حاول استثماره.
النظام الإيراني يستغل هذه التدخلات لإضفاء مصداقية على رواية “المؤامرة”، وتبرير القمع، وحشد مؤيديه، وهو ما ساعده جزئيًا على السيطرة على الشارع.
كيف يوظف النظام الإيراني هذه التدخلات لصالحه؟
عبر الكشف عن شبكات تجسس وعملاء، يقدم النظام نفسه كمدافع عن السيادة، ما يمنحه شرعية في استخدام القوة، كما أن الحديث عن تدخل خارجي يدفع شرائح من المجتمع، حتى غير المؤيدة للنظام، إلى الاصطفاف معه بدافع وطني.
هذا ظهر بوضوح في خطابات المرشد، والدعوات للتظاهر دعمًا للنظام، وهو ما ساهم في احتواء الاحتجاجات، إلى جانب أدوات أمنية أخرى، مثل التحكم في الاتصالات.

هل توجد انقسامات داخل الحكومة الإيرانية تؤثر على القرار السياسي؟
لا توجد انقسامات داخل الحكومة بالمعنى المؤسسي، فهناك خط عام داعم للنظام، لكن توجد فجوة واضحة بين مؤسسات الدولة، وبين التيارات السياسية، الرئيس مسعود بزشكيان، بحكم انتمائه للتيار الإصلاحي، أبدى تحفظات على أسلوب إدارة الاحتجاجات والأزمة الاقتصادية، وهو لا يتبنى دائمًا النهج الأمني الصِرف.
الانقسام الحقيقي هو بين التيار المحافظ المتشدد والتيار الإصلاحي، وهو انقسام قديم تجدد حضوره بقوة، مع عودة أصوات مثل مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وبيانات وقعها مئات المثقفين، تحمل المرشد مسؤولية الأزمات، حتى بزشكيان نفسه حذر من أن أخطر ما يواجه النظام ليس العقوبات أو آلية الزناد، بل الانقسام الداخلي والفجوة بين أجنحة النظام.

كيف يمكن توصيف المشهد الإيراني حاليًا؟
إيران تعيش أزمة مركبة، نووية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، والنظام لا يزال قادرًا على البقاء، لكنه يفعل ذلك بكلفة متزايدة، وبشرعية متآكلة، ومجتمع منهك، والمعادلة الحالية قائمة على إدارة الأزمات لا حلها، والمناورة بدل الحسم، وهو وضع قد يستمر، لكنه يحمل في داخله بذور انفجار مؤجل.



