رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من التهدئة إلى التصعيد: كيف قلبت ألمانيا السياسة الأوروبية على طهران؟

ألمانيا
ألمانيا

مع مطلع عام 2026، وصعود المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس لاعبًا مركزيًا في السياسة الخارجية الأوروبية، شهد الموقف القاري تجاه إيران تحولًا حادًا أنهى فعليًا سنوات من الدبلوماسية الحذرة، وفتح الباب أمام نهج أكثر صدامية أعاد رسم موازين القوة داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه.

فبرلين، التي لطالما لعبت دور الوسيط المتحفظ، انتقلت في عهد ميرتس إلى ما يصفه مراقبون بـ«المواجهة الاستباقية»، في مسعى واضح لفرض رؤية ألمانية جديدة للملف الإيراني، تقوم على الضغط السياسي والعقوبات الصارمة بدل الحوار التدريجي.

ميرتس ونهاية سياسة «التهدئة»

خلال شهري يناير وفبراير 2026، أطلق ميرتس سلسلة تصريحات حادة، اعتبر فيها أن «النظام الإيراني يعيش أيامه الأخيرة» وأنه «فقد أي شرعية سياسية»، مستندًا إلى تصاعد الاحتجاجات الداخلية التي أسفرت، وفق تقديرات محافظة، عن مقتل نحو 2500 شخص خلال فترة زمنية قصيرة، بحسب موقع Responsible Statecraft.

ولم يقتصر هذا التحول على الخطاب السياسي، إذ سبقه تحرك دبلوماسي ألماني مكثف لإعادة تفعيل آلية «السناب باك» (Snapback)، ما أدى فعليًا إلى إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة الكاملة على طهران، في خطوة مثّلت قطيعة واضحة مع المقاربة الأوروبية السابقة.

«العمل القذر» ورسالة بلا لبس

وفي صيف 2025، عقب الضربات الإسرائيلية-الأمريكية التي استهدفت إيران، خرج ميرتس عن الأعراف الدبلوماسية السائدة، وأشاد علنًا بالهجمات، واصفًا ما قامت به إسرائيل بأنه «العمل القذر» الذي يُنفذ نيابة عن أوروبا.

هذا الموقف، الصادر عن زعيم أقوى اقتصاد أوروبي، لم يتضمن أي دعوة للتهدئة أو ضبط النفس، بل حمل رسالة مباشرة إلى طهران مفادها أن أوروبا لم تعد طرفًا محايدًا أو وسيطًا محتملًا، وإنما شريكًا في استراتيجية «الضغط الأقصى» التي تقودها واشنطن وتل أبيب.

طهران ترد: اتهامات بازدواجية المعايير

الرد الإيراني جاء سريعًا وحادًا. فقد اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برلين بمحو «ما تبقى من مصداقيتها»، مشيرًا إلى ما وصفه بازدواجية المعايير الأوروبية، ومتسائلًا عما يمكن لميرتس أن يقوله عن دعمه «للمجزرة الجماعية» في غزة، بينما يرفع لواء حقوق الإنسان في مواجهة إيران.

ويرى محللون أن هذا التراشق العلني يعكس ما بات يُعرف بـ«حوار الطرشان الدبلوماسي»، الذي يمثل ذروة مسار أوروبي فقد خلاله الاتحاد نفوذه التدريجي في الملف الإيراني، بعد أن تحول من فاعل رئيسي إلى طرف هامشي يعتمد على الخطاب التصعيدي أكثر من أدوات التأثير الفعلية.

من يقود السياسة الأوروبية؟

وتشير تقارير صادرة عن مركز «تشاتام هاوس» إلى تباين جوهري بين برلين وباريس في فلسفة التعامل مع إيران. فبينما تبنّت ألمانيا، بقيادة ميرتس، دور «الصقر الأوروبي» وسعت إلى تنسيق وثيق مع واشنطن، خصوصًا في ظل إدارة ترامب الجديدة عام 2026، لا تزال فرنسا أكثر حذرًا في التخلي الكامل عن القنوات الدبلوماسية.

ورغم دعم باريس مؤخرًا لتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، فإن الرئيس إيمانويل ماكرون يواصل التحذير من مخاطر القطيعة الشاملة، وسط مخاوف من تصعيد عسكري غير محسوب قد يهدد المصالح الفرنسية في الخليج ولبنان، بحسب تقديرات خبراء معهد «كوينسي».

إيران كورقة زعامة ألمانية

ويذهب مراقبون إلى أن تشدد ميرتس لا يستهدف طهران وحدها، بل يوجه رسالة إلى بروكسل أيضًا، إذ بات الملف الإيراني أداة لإعادة رسم القيادة داخل الاتحاد الأوروبي. فالمستشار الألماني يراهن على أن الحزم مع إيران هو الطريق الأسرع لترسيخ موقع ألمانيا كقائد جيوسياسي للقارة، متجاوزًا التحفظات الفرنسية التقليدية.

غير أن هذا التحول لم يمر دون كلفة. فبحسب تحليل Responsible Statecraft، فقدت أوروبا ما تبقى من نفوذها في إيران، بعدما كانت لاعبًا محوريًا في صياغة الاتفاق النووي وشريكًا تجاريًا رئيسيًا لطهران.

ويرى الموقع أن الرهان العلني لميرتس على انهيار النظام الإيراني ينطوي على قصر نظر استراتيجي، إذ قد يؤدي تفكك الدولة إلى حرب أهلية متعددة الأطراف، وظهور جماعات مسلحة غير منضبطة، فضلًا عن احتمال اندلاع موجة لجوء جديدة تضرب القارة الأوروبية مباشرة.

ويخلص التحليل إلى أن ألمانيا نفسها قد تكون الأكثر تضررًا من هذا السيناريو، في ظل هشاشة المشهد السياسي الداخلي وصعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف في استطلاعات الرأي، حيث من شأن أي أزمة لجوء جديدة أن تعزز من شعبيته وتعمق الانقسام داخل المجتمع الألماني.

تم نسخ الرابط