سكن كريم من الوعد للواقع.. مشروع يعيد صياغة حياة لآلاف الأسر بقلب المنيا
محافظة المنيا ليست مجرد امتداد جغرافي على ضفاف النيل، بل حكاية طويلة من الصبر الإنساني، حيث ظلّ السكن الآمن حلمًا مؤجلًا لآلاف الأسر التي عاشت لعقود بين جدران مؤقتة صنعتها الضرورة لا الكرامة.
ففي هذه المساحة التي تختزن تناقضات الحياة بين الاحتياج والأمل، يصبح الحديث عن بيت جديد أكثر من مشروع عمراني؛ إنه سؤال فلسفي عن حق الإنسان في الاستقرار، وعن معنى أن تتحول الدولة من شاهد على المعاناة إلى فاعل يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والمكان، ويمنح السكن بعده الحقيقي بوصفه بداية لحياة لا تقوم على الانتظار.

زيارة الدكتور مصطفى مدبولي
ففي مشهد يجمع بين السياسة والتنمية والبعد الإنساني، جاءت زيارة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إلى محافظة المنيا، لتؤكد أن ملف السكن الآمن لم يعد بندًا مؤجلًا في خطط الدولة، بل أولوية تُنفذ على الأرض.
بدأت القصة في منطقة السلخانة بحي جنوب مدينة المنيا، حيث ظلت بلوكات الإيواء العاجل شاهدة لعقود على هشاشة العمران وضيق الخيارات، جرت مراسم تسليم عقود وحدات سكنية جديدة بديلة، في خطوة تمثل نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر استقرارًا وكرامة.
الزيارة، التي جاءت تنفيذًا لتوجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بتوفير «سكن كريم» للمواطنين، لم تقتصر على تسليم عقود، بل حملت رسائل سياسية وتنموية واضحة، أبرزها التأكيد على التعاون الكامل بين الحكومة والبرلمان في مختلف الملفات الخدمية والتنموية، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.

من بلوكات الإيواء لعمارات حديثة
يرجع تاريخ بلوكات الإيواء بمنطقة السلخانة – أبو هلال إلى عام 1981، حين أُنشئت كحل عاجل لإسكان الأسر المتضررة، وجاءت في صورة 15 بلوكًا، يتكون كل منها من وحدات صغيرة ذات غرفة واحدة، مع مرافق مشتركة، وهو نموذج لم يعد صالحًا للمعيشة الآدمية مع مرور الزمن.
ومع تفاقم المخاطر الإنشائية، صدرت خلال عامي 2022 و2023 قرارات إزالة للخطورة الداهمة، حفاظًا على أرواح السكان، لتبدأ بعدها المحافظة في اتخاذ مسار مختلف، يقوم على الإحلال الشامل وليس الترميم المؤقت.

مشروع تنموي شامل
وفي ذلك الصدد أوضح اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، أن المشروع يأتي ضمن مبادرة «سكن كريم»، وفي إطار المبادرة الرئاسية «بداية جديدة لبناء الإنسان»، مشيرًا إلى أن الهدف لم يكن فقط توفير مأوى، بل تحسين نوعية الحياة، مع مراعاة البعد الاجتماعي والاقتصادي، والحفاظ على ارتباط السكان بمحيطهم الجغرافي وأماكن عملهم.
وتم إدراج بلوكات الإيواء ضمن خطة التنمية الحضرية الشاملة للمحافظة، بما يضمن توفير بديل سكني ملائم دون تهجير قسري، ويحقق مفهوم العدالة الاجتماعية في قلب المناطق الحضرية القديمة.

تنفيذ 9 عمارات
يتكون مشروع العمارات السكنية البديلة من 31 عمارة، تم تنفيذ 9 عمارات كمرحلة أولى، بينما يجري استكمال باقي العمارات خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027، بتمويل من الخطة الاستثمارية لمحافظة المنيا (الموازنة العامة للدولة).
وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع 508 ملايين جنيه، في مؤشر واضح على حجم الاستثمار الموجه لتحسين مستوى المعيشة داخل المناطق غير المخططة.
أما الوحدات السكنية الجديدة، فقد صُممت لتضم غرفتين وصالة ومنافع خاصة لكل وحدة، في قطيعة واضحة مع نموذج الغرفة الواحدة والمرافق المشتركة، بما يضمن الخصوصية والحياة الكريمة للأسرة المصرية.

أبعاد اقتصادية واجتماعية
لم يتوقف المشروع عند توفير وحدات سكنية فقط، بل شمل تخصيص عدد من المقرات كمراكز تدريب على الحرف اليدوية، بهدف خلق فرص عمل حقيقية، خاصة للسيدات المعيلات، بما يحقق تمكينًا اقتصاديًا لسكان العمارات الجديدة، ويحول المشروع من حل إسكان إلى أداة تنمية مستدامة.
وخلال الفعاليات، عبّر المستفيدون عن سعادتهم بتسلم عقود وحداتهم الجديدة، مؤكدين أن ما تحقق يعكس حرص القيادة السياسية على توفير مسكن آمن ولائق، وفرصة لحياة أكثر استقرارًا.
تعاون بلا حواجز
وعلى هامش المراسم، صافح رئيس مجلس الوزراء عددًا من نواب البرلمان عن محافظة المنيا، مرحبًا بتواجدهم، مؤكدًا أهمية استمرار التعاون بين الأجهزة التنفيذية وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، لتبادل الرؤى حول احتياجات المواطنين ومشكلاتهم.

وشدد الدكتور مصطفى مدبولي على أن الحكومة منفتحة على التعاون الكامل في مختلف الملفات، بهدف إحداث نقلة نوعية في مستوى الخدمات المقدمة لأهالي المنيا، بما يتماشى مع رؤية الدولة المصرية لبناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة.
ما بعد الإيواء
وفي النهاية يمثل مشروع العمارات السكنية بديل الإيواء بمنطقة السلخانة نموذجًا لكيف يمكن للتخطيط العمراني أن يتحول إلى أداة عدالة اجتماعية، وكيف يمكن لقرار سياسي أن يُترجم إلى حياة أكثر أمانًا وكرامة لآلاف الأسر.
في المنيا، لم تعد قصة الإيواء العاجل فصلًا مفتوحًا على القلق، بل صفحة طُويت، لتبدأ أخرى عنوانها السكن كحق لا كحل مؤقت.



