حين عادت المياه لتتكلم.. الإسكندرية تستيقظ على مشروع يغيّر المصير؟
محافظة الإسكندرية، المدينة التي تعلّمت عبر تاريخها الطويل كيف تُصغي إلى البحر وتفهم لغة الماء، تدرك اليوم أن صراعها الحقيقي لم يكن يومًا مع الطبيعة، بل مع إهمال الإنسان لها؛ فبين الأمواج التي تعانق شواطئها، والبحيرات التي كانت يومًا شرايين حياة، تختبئ حكايات مدن تُولد وتمرض ثم تُبعث من جديد حين تتوافر الإرادة.

تطوير بحيرة مريوط
في هذا السياق، لا يبدو مشروع تطوير بحيرة مريوط مجرد أعمال تطهير أو أرقام في دفاتر الموازنات، بل هو سؤال فلسفي عميق عن علاقة الإنسان بمحيطه: هل نحسن رعاية ما يمنحنا الحياة، أم نكتفي باستنزافه حتى الانهيار؟ إن عودة البحيرة إلى سابق عهدها تمثل لحظة وعي جماعي، تُعيد تعريف التنمية باعتبارها فعل إنقاذ قبل أن تكون مشروع بناء، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون خطة تنفيذ.
هنا، حيث التقت المياه بالتاريخ، تُكتب صفحة جديدة عنوانها أن استعادة الطبيعة ليست رفاهية، بل شرط أساسي لاستمرار الحياة، وأن المدن التي تحترم مواردها إنما تحمي مستقبلها بقدر ما تصون ماضيها.
فلم تكن بحيرة مريوط، الواقعة جنوب مدينة الإسكندرية، مجرد مسطح مائي عابر في جغرافيا المدينة، بل كانت لعقود طويلة أحد أهم مصادر الثروة السمكية، وعنصرًا بيئيًا فاعلًا في التوازن الطبيعي للمنطقة؛ غير أن سنوات الإهمال والتعديات والتلوث حوّلت البحيرة تدريجيًا إلى نموذج صارخ لفقدان الموارد الطبيعية، قبل أن تتدخل الدولة بمشروع قومي ضخم يعيد للبحيرة دورها الحيوي ويضعها مجددًا على خريطة التنمية المستدامة.
خطة التطهير والتطوير
وفي إطار خطة الدولة لإعادة تأهيل البحيرات الشمالية، وافقت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية على اعتماد 78.7 مليون جنيه، مخصصة لمشروع تطهير بحيرة مريوط بمحافظة الإسكندرية.
ويأتي هذا الاعتماد كجزء من إجمالي تكلفة المشروع التي بلغت نحو 236.250 مليون جنيه، موزعة على ثلاث دفعات، حيث سبق اعتماد الدفعتين الأولى والثانية خلال عام 2020.
ويعكس هذا التدرج في التمويل طبيعة المشروع الممتدة، التي لا تقتصر على أعمال تطهير مؤقتة، بل تستهدف معالجة جذرية لمشكلات البحيرة البيئية والهيدرولوجية.

مشروع تنموي متكامل
لا يقتصر مشروع تطهير بحيرة مريوط على إزالة الرواسب أو تنظيف المجرى المائي فحسب، بل يمثل مشروعًا تنمويًا متكاملًا يستهدف تنمية منطقة غرب الإسكندرية بأكملها.
ويشمل ذلك تحسين البيئة المحيطة، وزيادة الإنتاج السمكي، ووقف مصادر التلوث، ورفع كفاءة منظومة الصرف الصحي، بما ينعكس مباشرة على جودة الحياة لسكان المناطق المحيطة.
ويأتي المشروع تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي شدد مرارًا على ضرورة إعادة البحيرات المصرية إلى سابق عهدها، باعتبارها ثروة قومية لا تقل أهمية عن الأراضي الزراعية أو الموارد المعدنية، وذلك ضمن استراتيجية شاملة لتنمية البحيرات الشمالية على مستوى الجمهورية.
نقطة التحول الحاسمة
وكانت اجرت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة تنفيذ خطة تطوير وتنمية لبحيرة مريوط، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ عقود؛ حيث شهدت البحيرة، وللمرة الأولى، أعمال تعميق حقيقية باستخدام كراكات ومعدات حديثة لم تدخل البحيرة من قبل.
وأسهم هذا التدخل في رفع منسوب المياه بالبحيرة من نحو 30 سنتيمترًا فقط إلى ما يقارب 3 أمتار، وهو تطور جوهري أعاد التوازن المائي للبحيرة، وحافظ على استمرارية المياه بها على مدار العام.
أرقام تعكس حجم التحول
أسفرت أعمال التطوير عن نتائج ملموسة، أبرزها: وصول حجم المياه داخل البحيرة إلى نحو 5 ملايين متر مكعب بعد التعميق، وكذا إزالة كميات ضخمة من الرواسب القاعية التي كانت تعوق تجدد المياه، بالإضافة إلى تحسين كفاءة استقبال مياه مصرف القلعة داخل البحيرة بدلًا من فقدانها، وتنفيذ أعمال الصرف الصحي للحد من التلوث العضوي.
معركة مزدوجة
وكان أحد أخطر التحديات التي واجهت بحيرة مريوط تمثّل في جفاف الأطراف، وهي الظاهرة التي بدأت منذ عام 2015 نتيجة خفض منسوب المياه كإجراء احترازي لمنع تكرار حوادث الغرق خلال موسم الأمطار؛ هذا الجفاف فتح الباب أمام التعديات والاستيلاء غير المشروع على أراضي البحيرة.

ومع رفع منسوب المياه إلى 3 أمتار، اختفت تدريجيًا ظاهرة جفاف الأطراف، وعادت تلك المناطق إلى عمق البحيرة الطبيعي، بما يقطع الطريق على أي محاولات للتعدي مستقبلًا.
إزالة 400 تعدٍّ
وكشفت الجهات المعنية أن التعديات على بحيرة مريوط بلغت نحو 850 حالة، تمثلت في إنشاء مبانٍ وعشش ومخالفات صارخة على جسد البحيرة؛ وبالتنسيق بين وزارة الداخلية، ومحافظة الإسكندرية، وقيادة المنطقة الشمالية العسكرية، تم حتى الآن إزالة 400 حالة تعدٍّ، مع استمرار الجهود لاستكمال إزالة باقي المخالفات.
وتُعد هذه الإجراءات جزءًا لا يتجزأ من خطة التطوير، إذ لا يمكن الحفاظ على أي مشروع بيئي دون فرض سيادة القانون وحماية الموارد العامة.

بحيرة تعود للحياة
وفي النهاية يمثل مشروع تطهير وتنمية بحيرة مريوط نموذجًا عمليًا لتحول الدولة من سياسة المعالجات المؤقتة إلى التنمية المستدامة، حيث تلاقت الإرادة السياسية، والدعم المالي، والتنفيذ الهندسي الدقيق، في مشروع يعيد الحياة إلى بحيرة كانت على شفا الاندثار.
ومع استمرار الأعمال والمتابعة الدورية، تفتح بحيرة مريوط صفحة جديدة في تاريخها، كأحد أعمدة الأمن الغذائي والبيئي لمحافظة الإسكندرية، ورسالة واضحة بأن استعادة الموارد الطبيعية لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية.



