رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

أدوات المستقبل بين القاهرة وبكين.. حين تصبح الطاقة مشروع دولة

جانب من المشروع
جانب من المشروع

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس القرارات بحجم ما يُوقَّع من اتفاقيات، بل بعمق ما تحمله من أسئلة عن المستقبل؛ فالدول التي تسعى إلى امتلاك الغد لا تكتفي بتأمين الطاقة، بل تبحث عن مصدر المعرفة التي تنتجها، وعن الصناعة التي تحميها، وعن الشراكات التي تنقلها من موقع الاستهلاك إلى موقع الفعل.

من هذا المنطلق، تتقاطع اليوم ملفات التحول الطاقي، وتوطين الصناعة، وبناء القدرات الوطنية، في مشهد واحد يتجاوز حدود الجغرافيا، ويصل من القاهرة إلى بكين، حيث لم تكن زيارة وزير الكهرباء والطاقة المتجددة إلى الصين مجرد جولة دبلوماسية، بل حلقة ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل علاقة مصر بالطاقة والتكنولوجيا والتنمية.

تُوطَّن صناعة مكونات الشبكات الذكية

فحين تُبنى مصانع البطاريات، وتُوطَّن صناعة مكونات الشبكات الذكية، ويُفتح باب نقل التكنولوجيا، يصبح الحديث عن الكهرباء حديثًا عن السيادة الاقتصادية، وعن مستقبل يُراد له أن يُصنَّع محليًا، لا أن يُستورد جاهزًا.

ففي عالم لم تعد فيه الطاقة مجرد مورد، بل محددًا لمكانة الدول وقدرتها على النمو والاستقلال، تتقدم مصر بخطوات محسوبة نحو إعادة تعريف علاقتها بالطاقة، ليس فقط كمستهلك أو منتج، بل كدولة تسعى إلى امتلاك أدوات المستقبل.

وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة الاتفاقيات الأخيرة التي أبرمتها شركة كيميت المصرية مع كبرى الشركات الصينية بوصفها تعاقدات صناعية تقليدية، بل باعتبارها تحولًا هيكليًا في فلسفة التنمية، يقوم على توطين التكنولوجيا، وتعميق التصنيع المحلي، وربط التحول الطاقي بالنمو الاقتصادي المستدام.

التوطين الصناعي

بدأت القصة قبل سنوات، حينما وضعت الدولة المصرية التحول نحو الطاقات المتجددة في صدارة أولوياتها، مستهدفة تنويع مزيج الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية، بما يتماشى مع الالتزامات البيئية الدولية.

غير أن المرحلة الجديدة من هذا التوجه تكشف عن نقلة أكثر عمقًا، تمثلت في الانتقال من استيراد تكنولوجيا الطاقة النظيفة إلى تصنيعها محليًا.

ومن هذا المنطلق، جاء توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين شركة كيميت المصرية ومجموعة شركات كرنكس الصينية، لتوطين صناعة خلايا بطاريات تخزين الطاقة الكهربائية، باعتباره حجر زاوية في بناء منظومة صناعية متكاملة تخدم التحول الطاقي ولا تكتفي بمواكبته.

صناعة تبدأ من الخام ولا تنتهي عند المنتج

الاتفاقية لا تستهدف إنشاء مصنع إنتاجي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى إقامة منظومة صناعية متكاملة، تعتمد على: توطين تكنولوجيا تصنيع خلايا بطاريات تخزين الطاقة، والاعتماد على مواد خام ومستلزمات صناعة محلية، وكذا تطوير الصناعات التحويلية المغذية لصناعة البطاريات، بالاضافة إلى نقل المعرفة الفنية والتقنية بصورة كاملة.

ويمثل هذا التوجه فارقًا جوهريًا، إذ يضع مصر على طريق التحرر من الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، ويمنح الصناعة الوطنية فرصة حقيقية للدخول في أحد أكثر القطاعات نموًا عالميًا.

أبعاد المشروع بالأرقام

بحسب الاتفاق، تبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع نحو 5000 ميجاوات ساعة سنويًا، وهو حجم إنتاج يؤهله لتلبية احتياجات مشروعات الطاقة المتجددة المحلية، ويفتح المجال مستقبلًا للتصدير إلى الأسواق الإقليمية.

أما حجم الاستثمارات البالغ 200 مليون دولار، فيعكس ثقة متبادلة في جدوى المشروع، ويؤكد أن قطاع تخزين الطاقة بات يُنظر إليه كأحد المحركات الرئيسية للنمو الصناعي، لا كمجال تجريبي أو هامشي.

البنية الخفية للتحول الأخضر

يمثل تخزين الطاقة الكهربائية عبر البطاريات العمود الفقري غير المرئي لمشروعات الطاقة المتجددة؛ فبدون أنظمة تخزين فعالة، تظل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح رهينة لتقلبات الطبيعة.

ومن هنا، تأتي أهمية المشروع بوصفه حلًا استراتيجيًا لتحديات الاستقرار الكهربائي، وداعمًا رئيسيًا لقدرة الشبكة القومية على استيعاب المزيد من القدرات المتجددة، بما يضمن استدامة الإمدادات وتحقيق أمن الطاقة.

توطين صناعة الـ Inverters

في سياق متكامل، كان شهد الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، توقيع مذكرة تفاهم بين شركة كيميت المصرية وشركة TBEA الصينية، لإنشاء أول مصنع في مصر لإنتاج أجهزة Inverters الخاصة بالطاقة المتجددة.

وتُعد هذه الأجهزة حلقة أساسية في منظومة الطاقة النظيفة، إذ تقوم بربط محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالشبكة القومية، وتحويل الطاقة المنتجة إلى صورة قابلة للاستخدام والتوزيع.

من الاستيراد إلى الاكتفاء

تهدف مذكرة التفاهم إلى: نقل وتوطين صناعة منظومات ربط الطاقة الكهربائية، دعم مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، رفع كفاءة الشبكة القومية للكهرباء، تقليل الاعتماد على الاستيراد في المعدات الحيوية

وقد وقع المذكرة المهندس أحمد العبد، رئيس شركة كيميت، فيما مثل الجانب الصيني تشنغ يان، نائب رئيس شركة TBEA، بحضور قيادات من الجانبين، في دلالة واضحة على الطابع الاستراتيجي للشراكة.

شراكة ممتدة

وعلى هامش التوقيع، عقد الوزير اجتماعًا مع هوانغ هانجيه، رئيس مجلس إدارة شركة TBEA، بحضور مسؤولي الشركة المصرية لنقل الكهرباء، حيث جرى بحث آليات: تسريع إنشاء المصانع، نقل التكنولوجيا بشكل فعّال، تنفيذ برامج تدريب وبناء قدرات للكوادر المصرية، ضمان استدامة الشراكة على المدى الطويل

كما شملت الزيارة جولة داخل منشآت الشركة الصينية، للاطلاع على تجاربها الصناعية وانتشارها العالمي.

الدولة والقطاع الخاص

وأكد الدكتور محمود عصمت أن الدولة توفر كافة أشكال الدعم لتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، بالشراكة مع القطاع الخاص، مشددًا على أن هذه المشروعات تأتي في إطار رؤية شاملة لتعميق التصنيع المحلي، ودعم الشبكة القومية، وتعزيز دور مصر كمركز إقليمي للطاقة المتجددة منخفضة الكربون.

حين تتحول الاتفاقيات لمسار تنموي

وفي النهاية ما يجري اليوم ليس مجرد توقيع اتفاقيات، بل إعادة صياغة لدور الطاقة في مشروع الدولة التنموي؛ فالمعادلة الجديدة تقوم على ربط الكهرباء بالصناعة، والصناعة بالمعرفة، والمعرفة بالاستقلال الاقتصادي.

إنها مرحلة تُعلن بوضوح أن التحول الطاقي في مصر لم يعد خيارًا بيئيًا فقط، بل مشروعًا تنمويًا شاملًا، تُبنى من خلاله المصانع، وتُخلق الوظائف، ويُصاغ المستقبل… داخل حدود الوطن.

تم نسخ الرابط