رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

سيناء تزرع المستقبل.. حين تتحوّل الأرض الصامتة إلى قرار دولة

ارشيفية
ارشيفية

في سيناء، لا تُقاس التنمية بحجم المنشآت، بل بقدرتها على تثبيت الناس في أماكنهم، وتحويل الهامش إلى مركز إنتاج، والفراغ إلى قيمة؛ فكل حقل قمح يُزرع هو إعلان غير مباشر عن الأمن، وكل شجرة زيتون تُغرس هي رهان طويل الأمد على الاستقرار، لا على الموسم العابر.

الاستقرار والتنمية

بدأت القصة في شمال وجنوب سيناء، حيث تتقاطع الجغرافيا الصعبة مع رهانات الدولة على الاستقرار والتنمية، هنا لا تتحرك عجلة الزراعة باعتبارها قطاعًا تقليديًا، بل بوصفها أحد مفاتيح إعادة بناء المكان والإنسان معًا.

ومن تجمعات النوافعة، والدفيدف، وخشم الجاد، وطيبة التمد، والنثيلة، والسحيمي، تتجسد التنمية في صورتها الأكثر هدوءًا وعمقًا؛ زراعة تُمارَس لتثبيت الناس في الأرض، قبل أن تُمارَس لتحقيق العائد.

في هذا السياق، واصل مركز بحوث الصحراء التابع لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، تنفيذ جولاته الميدانية ضمن مبادرة «اسأل واستشير»، في إطار رؤية أوسع تستهدف تعزيز التنمية الزراعية المستدامة، وربط البحث العلمي بالواقع اليومي للمزارعين في التجمعات التنموية بسيناء.

تأتي هذه الجهود تنفيذًا لتوجيهات علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، وتحت إشراف الدكتور حسام شوقي رئيس مركز بحوث الصحراء، في محاولة لترجمة السياسات الزراعية إلى ممارسة ميدانية ملموسة، لا تكتفي بالتخطيط من المكاتب، بل تنزل إلى الحقول حيث تُختبر السياسات على أرض الواقع.

اختبار الأمن الغذائي

خلال الجولات، بدت الزراعات الشتوية وكأنها في مواجهة مباشرة مع معادلة الأمن الغذائي؛ فقد جرى تفقد حقول القمح، بوصفه المحصول الاستراتيجي الأول في مصر، ومؤشرًا حساسًا على قدرة الدولة على تقليل الفجوة الغذائية، إلى جانب متابعة زراعات الشعير، الذي يمثل خيارًا ذكيًا في البيئات الصحراوية لقدراته العالية على التكيف مع محدودية المياه.

كما شملت المتابعة محاصيل الفول، بما تحمله من قيمة غذائية واقتصادية مباشرة للأسر، فضلًا عن الزيتون، الذي لا يُنظر إليه كمحصول موسمي فقط، بل كاستثمار طويل الأجل، يراكم العائد ويؤسس لصناعات غذائية مستقبلية، قادرة على خلق فرص عمل وتحفيز الاقتصاد المحلي.

الإرشاد الزراعي

لم تقتصر الجولات على الرصد، بل امتدت إلى تقديم خدمات إرشادية عملية، شملت متابعة أعمال تقليم الزيتون، وإضافة الخدمة الشتوية، مع تدريب المزارعين ميدانيًا على أساليب الوقاية من الأمراض والآفات، خصوصًا تلك التي تظهر عقب عمليات التقليم.

كما تم شرح أسس إضافة الخدمة الشتوية من حيث المكونات والكميات المناسبة، والتأكيد على انتظام الري، وضبط المقننات السمادية بما يحقق أعلى كفاءة إنتاجية، دون استنزاف الموارد؛ هذه التفاصيل، التي قد تبدو فنية بحتة، تشكل في حقيقتها الفارق بين زراعة للبقاء وزراعة للتنمية.

صوت المزارع

وخلال اللقاءات المباشرة، استمع فريق مركز بحوث الصحراء إلى شكاوى المزارعين وتحدياتهم اليومية، سواء ما يتعلق بعمليات الخدمة الزراعية أو مشكلات الآفات، حيث جرى تقديم التوصيات الفنية الفورية، في إطار دور إرشادي يتجاوز التوجيه إلى بناء الثقة بين الدولة والمزارع.

وأكد رئيس مركز بحوث الصحراء أن المرحلة المقبلة ستشهد المرور على كافة التجمعات التنموية، ضمن خطة دورية تستهدف الوقوف على التحديات الحقيقية، وتقديم خدمات إرشادية متواصلة، تعكس فهمًا بأن التنمية الزراعية لا تُدار بالقرارات الموسمية، بل بالمتابعة المستمرة.

حين يلتقي البحث بالناس

تمثل مبادرة «اسأل واستشير» نموذجًا مختلفًا في العمل التنموي، حيث لا يظل الباحث في معزله العلمي، ولا يُترك المزارع وحيدًا أمام تحديات الأرض. فمن خلال الجروبات التفاعلية للمبادرة، والزيارات الميدانية المستمرة، تُقدَّم الخدمات الإرشادية على مدار الساعة، ويُترجم البحث العلمي إلى ممارسة عملية قابلة للتطبيق.

الزراعة كرافعة للاقتصاد الوطني

أهمية هذه التجمعات الزراعية لا تتوقف عند حدود الإنتاج المحلي، بل تمتد إلى دورها في دفع قاطرة التنمية الاقتصادية لمصر. فهي تسهم في تعمير سيناء، وتثبيت المجتمعات المحلية، وتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا، فضلًا عن دعم الأمن الغذائي، وتقليل فاتورة الاستيراد، وفتح آفاق استثمارية جديدة في سلاسل القيمة الزراعية.

في هذه المساحات البعيدة عن صخب المدن، تتحقق التنمية في صورتها الأكثر صدقًا: سنابل قمح تحمي الأمن الغذائي، وأشجار زيتون تراهن على المستقبل، ومزارع يشعر بأن الدولة شريك لا مراقب.

التنمية تبدأ من الحقل

هكذا، لا تبدو الجولات الميدانية مجرد نشاط إداري، بل جزءًا من رؤية أوسع ترى في الزراعة قاعدة صلبة لأي نهضة اقتصادية حقيقية. ومن بين حقول القمح وأشجار الزيتون في تجمعات سيناء، تتحرك التنمية ببطء محسوب، لكنها بثبات، لتؤكد أن بناء الاقتصاد الوطني لا يبدأ من الأرقام وحدها، بل من الأرض، ومن الإنسان الذي يزرعها.

التجمعات التنموية بسيناء

هنا، تتداخل الفلسفة مع السياسة العامة: هل يمكن للتنمية أن تكون صبورة لكنها عادلة؟ وهل يكون النجاح في الزراعة هو القدرة على الصمود قبل تحقيق الفائض؟ في التجمعات التنموية بسيناء، تُختبر هذه الأسئلة يوميًا، بعيدًا عن الخطاب النظري، وقريبًا من التربة التي لا تعطي إلا لمن يصبر.

وفي النهاية فإن ما يحدث في هذه التجمعات ليس مجرد دعم فني أو إرشاد زراعي، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وأطرافها؛ علاقة تقوم على الحضور، والإنصات، والتراكم الهادئ، حيث تصبح الزراعة فعلًا سياديًا بقدر ما هي فعل إنتاج.

هكذا، ومن قلب سيناء، تُكتب التنمية لا بالحبر، بل بالعمل اليومي، وبقناعة راسخة أن الأرض التي تُزرع تُؤمَّن، وأن الوطن الذي يُغذّي أبناءه يضمن استمراره.

تم نسخ الرابط