بين نصّ السماء ونقش الأرض.. زاهي حواس يثير الجدل حول الأنبياء من لوس أنجلوس
في قلب تاريخٍ لا يشيخ، تقف الحضارة المصرية القديمة كمرآةٍ صقيلة تعكس سؤال الإنسان الأزلي عن الأصل والمصير، وعند مفترق الطرق بين صرامة العلم وجلال المعتقد، يبرز اسم الدكتور زاهي حواس؛ ليس فقط كعالم آثارٍ فك شفرات الصمت في جوف الأهرامات، بل كرحالةٍ فلسفي يبحث في حدود المعرفة البشرية، حيث يلتقي الإيمان بالقصة الدينية مع الأدلة المادية الصماء.
هوليوود تُتوج مسيرة "حارس الأسرار"
في خطوة تعكس التقدير العالمي، تستعد هوليوود للاحتفاء بـ "أيقونة الآثار" عبر فيلمها الوثائقي الضخم "الرجل ذو القبعة" (The Man in the Hat)، ومن المقرر أن يستضيف مسرح "ليدو" التاريخي بالولايات المتحدة السبت المقبل العرض العالمي الأول، في حدثٍ يسلط الضوء على المسار الطويل لـ "حواس" في سبر أغوار الماضي.
الفيلم الذي استغرق إنتاجه عامين كاملين، يُعرض في جلستين متعاقبتين، تتبعهما ندوات نقاشية يديرها مختصون وجلسات توقيع لمؤلفات حواس، وقد صرح مخرج الفيلم، جيفري روث، بأن هذا العمل يعد من أضخم إنتاجات شركته، واضعا حواس في مصاف الشخصيات التاريخية التي وثقتها الشركة كأبرز الرؤساء ورواد الفضاء.

بين نصّ الوحي ونقش الحجر: جدلية الإيمان والعلم
لا تكمن قيمة حواس في اكتشافاته المادية فحسب، بل في شجاعته بطرح الأسئلة الفلسفية العميقة حول كيفية قراءة التاريخ. ففي قضية "سيدنا موسى ويوسف"، يقف حواس بمشرط الجرّاح العلمي؛ مؤكدا على التوازن بين "اليقين الإيماني" و"الدليل الأثري".
يقول حواس بصراحته المعهودة: "أنا مسلم أؤمن بالأنبياء وخروج بني إسرائيل، لكن العلم الأثري لم يقدم لنا حتى الآن نقشا واحدا يوثق هذه الأحداث"، هذا الطرح يحول الجدل من مجرد نقاش أثري إلى حوار فلسفي رفيع بين التراث والدليل، وبين ما نعرفه يقينا في قلوبنا وما نستطيع إثباته تحت عدسات المجاهر.
من "العبيدية" إلى العالمية: سيرة ومسيرة
بدأت رحلة "الرجل ذو القبعة" من قرية العبيدية بدمياط، حيث كان يحلم بعباءة المحاماة، قبل أن يقع في غرام "الآثار اليونانية الرومانية" بجامعة الإسكندرية، ومن زمالة "فولبرايت" إلى دكتوراه جامعة بنسلفانيا، تبلورت شخصيته العلمية التي قادته لاحقا ليكون "الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار"، ومكتشفاً لأسرار مقابر بناة الأهرام ووادي المومياوات الذهبية.
ولم يكتفِ حواس بالبحث، بل تحول إلى "سيفٍ وطني" يواجه الادعاءات المغلوطة؛ حيث وقف بالمرصاد لمزاعم "الأفروسنترية" ونظريات "الفضائيين"، مؤكدًا عبر "بردية ميرر" أن الأهرامات شُيدت بسواعد مصرية وعقلٍ هندسي فذ لا يحتاج لخرافات غريبة لتفسير عبقريته.
التاريخ في مواجهة الإنسان
يظل الدكتور زاهي حواس، عبر ظهوره العالمي في برامج مثل Digging for the Truth وحملاته المستمرة لاستعادة الآثار المنهوبة كحجر رشيد وتمثال نفرتيتي، يجسد مفهوم "الدبلوماسية الثقافية". إن فيلم "الرجل ذو القبعة" ليس مجرد توثيق لحياة عالم، بل هو احتفاء بالمنهج العلمي والنقدي الذي يرى في التاريخ أسئلة مستمرة، وفي الحضارة المصرية رسالة خالدة تتجاوز حدود الزمن والمكان.



