من الحديد إلى البحر.. مشروع يعيد صياغة الحياة في محافظة البحر الأحمر
محافظة البحر الأحمر، التي طالما عرفت عبر التاريخ بوصفها معبرًا للتجارة وبوابة للبحار المفتوحة، تعيد اليوم تعريف دورها من جديد؛ فهنا لا تكتفي الأمواج بحمل السفن، بل تشهد ولادة السفن ذاتها.
فعلى هذا الساحل الممتد بين الصحراء والبحر، تتحول الجغرافيا إلى إرادة، ويصبح الحديد لغة، والعمل فعلًا فلسفيًا يعكس وعي الدولة بأن القوة الحديثة لا تُقاس بما نعبره من ممرات مائية فحسب، بل بما نمتلكه من قدرة على البناء والتصنيع والتوطين.

ترسانة جنوب البحر الأحمر
في هذا المشهد، لا تكون ترسانة جنوب البحر الأحمر مجرد منشأة صناعية، بل تعبيرًا عن انتقال مصر من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج، ومن انتظار السفن إلى صناعتها، حيث يلتقي التاريخ البحري بالمعرفة الهندسية، وتُصاغ السيادة الاقتصادية على إيقاع المطارق وأحلام المستقبل.
فعلى شواطئ البحر الأحمر، حيث لا تهدأ حركة الأمواج ولا تتوقف عجلة العمل، تتشكل ملامح مشروع وطني يتجاوز حدود البناء التقليدي للسفن، ليؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الصناعة البحرية المصرية؛ شركة ترسانة جنوب البحر الأحمر لم تعد مجرد موقع تصنيع، بل أصبحت نموذجًا حيًا للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، ومنصة حقيقية لتوطين الصناعات الاستراتيجية تحت شعار «صنع في مصر».
زيارة ميدانية تكشف حجم الإنجاز
في هذا السياق، تفقد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أعمال بناء الوحدات البحرية المختلفة الجاري تنفيذها بشركة ترسانة جنوب البحر الأحمر، في جولة ميدانية هدفت إلى الوقوف على معدلات الإنجاز، والجداول الزمنية للتنفيذ، ومتابعة سير العمل الفني والتجهيزي، إلى جانب تفقد أعمال مصنع اليخوت السياحية التابع لشركة قناة السويس للقوارب الحديثة بمدينة سفاجا.

وتأتي هذه الزيارة في إطار الشراكة الاستراتيجية بين هيئة قناة السويس وشركة ترسانة جنوب البحر الأحمر، والتي تستهدف توطين الصناعة البحرية، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص، ورفع كفاءة الأسطول البحري المصري بشقيه الخدمي والتجاري.
قاطرات عزم
في مستهل جولته، حرص الفريق أسامة ربيع على تفقد القاطرتين البحريتين «عزم 3» و«عزم 4»، والاطلاع على نتائج مرحلة التجارب البحرية ومناورات الشد، تمهيدًا لبدء إجراءات التسليم والتشغيل الفعلي.
وتُعد هذه القاطرات جزءًا من سلسلة قاطرات بحرية من طراز «عزم» بقوة شد تصل إلى 90 طنًا، تمثل إضافة نوعية لأسطول هيئة قناة السويس وقدراتها التشغيلية في الموانئ والمجاري الملاحية.

سفن صيد أعالي البحار
كما تفقد رئيس الهيئة سفينتي الصيد «رزق 2» و«رزق 3»، حيث انتهت أعمال بناء البدن بالكامل، وجارٍ الاستعداد لمرحلة التدشين، في إطار خطة تستهدف تطوير وتحديث أسطول الصيد المصري، وتعزيز قدرته على العمل في أعالي البحار وفق معايير حديثة.
اليخوت السياحية
كما امتدت الجولة لتشمل مصنع اليخوت السياحية التابع لشركة قناة السويس للقوارب الحديثة، حيث اطلع الفريق أسامة ربيع على مستجدات أعمال التشطيبات النهائية التي تسبق تجارب الإبحار لليخت السياحي الجديد، في استمرار واضح لنجاحات سابقة تمثلت في بناء اليختين «نصر» و«إرادة».
ويبلغ طول اليخت الجديد 37 مترًا، وعرضه 8.2 أمتار، بوزن إجمالي يصل إلى 135 طنًا، ويأتي بتصميم مميز من طراز Sport Fisherman، مزودًا بمحركات MTU بقوة 2600 حصان، ما يعكس مستوى متقدمًا من التصميم والتنفيذ وفق المعايير العالمية.

لنشات الرحلات
كما تابع رئيس الهيئة أعمال بناء لَنشَيْ رحلات مصنوعين من الخشب والفايبر، بسعة إجمالية 13 راكبًا لكل لنش، حيث تم الانتهاء من أعمال البدن، وجارٍ توريد المعدات والماكينات اللازمة؛ ومن المقرر تشغيلهما في أغراض السياحة البحرية بقناة السويس، في خطوة تعزز تنوع أنشطة الأسطول البحري المصري.
خطة متكاملة للبناء والتصدير
وخلال الزيارة، استمع الفريق أسامة ربيع إلى شرح تفصيلي قدمه مصطفى الدجيشي، رئيس مجلس إدارة شركة ترسانة جنوب البحر الأحمر، حول مستجدات أعمال بناء 12 سفينة صيد أعالي بحار، إلى جانب الجداول التنفيذية لاستكمال بناء 6 قاطرات بحرية ضمن سلسلة تضم 10 قاطرات من طراز «عزم»، تم الانتهاء من بناء 4 منها بالفعل.
كما أشار الدجيشي إلى تنفيذ مشروع متوازٍ لبناء قاطرتين من الطراز نفسه بغرض التصدير إلى شركة NERI الإيطالية، في خطوة تعكس قدرة الصناعة المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.

توطين الصناعة
وأكد الفريق أسامة ربيع أن استراتيجية توطين الصناعات البحرية داخل ترسانات وشركات هيئة قناة السويس تمضي بخطى متسارعة، تنفيذًا لتوجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالمشاركة الفعالة في تلبية احتياجات الموانئ المصرية من القاطرات والوحدات البحرية المختلفة، إلى جانب تطوير وتحديث أسطول الصيد الوطني.
وأوضح أن نتائج الشراكة مع شركة ترسانة جنوب البحر الأحمر خلال العام الماضي جاءت مبشرة للغاية، حيث تم الانتهاء من بناء 4 قاطرات بحرية بقوة شد 90 طنًا، بالإضافة إلى بناء يخت سياحي، بالتوازي مع وصول أعمال بناء سفينتي صيد أعالي بحار إلى مراحل متقدمة استعدادًا للتدشين.
صنع في مصر طموح المرحلة المقبلة
وأشار رئيس الهيئة إلى أن الفترة المقبلة ستشهد زيادة الطاقة الإنتاجية ومعدلات بناء الوحدات البحرية، بما يتيح تلبية احتياجات السوق المحلي، وفتح أسواق خارجية للتصدير، تحت شعار «صنع في مصر»، بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

من جانبه، أكد مصطفى الدجيشي أن الشراكة مع هيئة قناة السويس أسهمت في توسيع نطاق أعمال الشركة، وتطوير قدراتها الفنية، وزيادة الأيدي العاملة، فضلًا عن تأسيس كيان صناعي واعد يتمثل في شركة قناة السويس للقوارب الحديثة، التي تستهدف إحداث نقلة نوعية في مجال الصناعة البحرية.
وأضاف أن شركة ترسانة جنوب البحر الأحمر نجحت في إدارة عدة مشروعات متزامنة لبناء وحدات بحرية مختلفة، في تحدٍ يعكس قدرتها على رفع معدلات البناء والتصنيع خلال الفترة المقبلة.
رمز لإرادة صناعية وطنية
وفي النهاي لم تعد ترسانة جنوب البحر الأحمر مجرد موقع لبناء السفن، بل تحولت إلى رمز لإرادة صناعية وطنية، تترجم الرؤية الاستراتيجية للدولة في توطين الصناعات الثقيلة، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وفتح آفاق جديدة للتصدير والمنافسة العالمية.

فهنا، على شاطئ البحر الأحمر، لا تُبنى وحدات بحرية فحسب، بل يُصاغ مستقبل صناعة كاملة، تُبحر بمصر نحو الاكتفاء الذاتي، والسيادة الاقتصادية، وحضور أقوى على خريطة الصناعة البحرية العالمية.



