شحاتة زكريا يكتب.. الهوامش التي تتحكم في المصائر
في العادة لا تصنع القرارات الكبرى في القاعات الصاخبة وحدها ولا تتشكل التحولات العميقة فقط داخل مكاتب السياسات العامة. أحيانا تتسلل ملامح المستقبل من الهوامش من الأماكن التي لا تدرج في تقارير الخبراء ولا تحضر في نشرات الأخبار لكنها تملك القدرة على التأثير في المزاج العام وتشكيل الوعي الجمعي. المترو، أسعار السلع، والشارع المصري ليست تفاصيل جانبية بل مفاتيح لفهم المجتمع في لحظة دقيقة من تاريخه.
المترو بوصفه وسيلة نقل جماعية هو مساحة محايدة ظاهريا لكنه في الحقيقة أشبه ببرلمان شعبي متنقل. هنا تتجاور الطبقات وتتقاطع الأعمار وتختلط المهن ويُرفع الستار عن نقاشات لا تخضع لرقابة ولا تنتمي لأيديولوجيا بعينها. في عربة واحدة قد تسمع تحليلا سياسيا وانتقادا اقتصاديا وتعليقا رياضيا وسخرية لاذعة من مشهد عالمي. هذا الخليط العفوي يعكس درجة من الوعي لا يمكن اختزالها في ثنائية فاهم ومش فاهم بل في محاولة مستمرة للفهم وسط ضغوط الحياة.
الأسعار من جانبها لم تعد مجرد أرقام على بطاقات السلع بل تحولت إلى لغة يومية يتحدث بها الناس. ارتفاع سعر سلعة أساسية لا يُناقش بوصفه قرارا اقتصاديا مجردا بل كحدث يمس الكرامة ويعيد ترتيب الأولويات ويؤثر في الإحساس بالأمان. المواطن لا يحاكم السياسات من خلال البيانات الرسمية وحدها بل من خلال تجربته المباشرة في السوق ومن قدرته على التوفيق بين الدخل والاحتياجات. هنا يصبح الاقتصاد ممارسة معيشية لا نظرية أكاديمية.
وفي هذا السياق لا يمكن فهم الشارع المصري باعتباره كتلة واحدة أو صوتا موحدا. الشارع متعدد متناقض أحيانا ساخر في كثير من الأوقات وغاضب حين تضيق الخيارات. لكنه في المجمل شارع يقظ يتابع ما يجري حوله، محليًا وعالميا حتى وإن جاءت معرفته مشوبة بما تبثه منصات التواصل الاجتماعي من خلط بين المعلومة والتحليل والانطباع الشخصي. المواطن اليوم لم يعد معزولا عن العالم هو يشاهد، يقارن، ويسأل، حتى لو لم يمتلك دائمًا الأدوات الكاملة للإجابة. .. اللافت أن هذه الهوامش الثلاثة—المترو الأسعار والشارع—تتقاطع عند نقطة واحدة: الإحساس بالعدالة. ليس بالضرورة العدالة المطلقة بل الإحساس بأن هناك من يفهم معاناة الناس ويسعى لتخفيف أعبائهم ويتعامل معهم بوصفهم شركاء لا مجرد متلقين للقرارات. حين يغيب هذا الإحساس تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى مصادر احتقان صامت.
التكنولوجيا والرقمنة التي يُنظر إليها أحيانا كحلول بعيدة عن المواطن البسيط، يمكن أن تكون جزءا من معالجة هذه الهوامش إذا استُخدمت بذكاء. تيسير الخدمات تقليل الاحتكاك المباشر وتوفير الوقت والجهد كلها عوامل تخفف من حدة التوتر اليومي. لكن الخطورة تكمن في التعامل مع هذه الأدوات بوصفها شعارات لا سياسات عملية. المواطن لا يطلب تعقيدًا تقنيا ، بل بساطة فعّالة يشعر بأثرها في حياته.
في المقابل لا يمكن تجاهل مسؤولية الإعلام في قراءة هذه الهوامش والتعامل معها بجدية. التركيز المفرط على القضايا المثيرة أو الصراعات الهامشية يبتعد عن جوهر ما يشغل الناس. الصحافة الجادة هي التي تلتقط نبض الشارع من دون تضخيم وتنقل همومه من دون تزييف وتفتح مساحات للنقاش العقلاني بدلا من الاكتفاء بردود الأفعال السريعة.
المفارقة أن كثيرا من الأزمات تبدأ صغيرة في تفاصيل تبدو غير مؤثرة ثم تتراكم حتى تصبح معضلات كبرى. تجاهل نقاشات المترو أو السخرية من شكاوى الأسعار أو التقليل من وعي الشارع قد يبدو مريحا على المدى القصير لكنه مكلف على المدى البعيد. فالهامش حين يهمل يتحول إلى مركز ضغط يصعب احتواؤه.
في النهاية لا تُقاس قوة المجتمعات فقط بقدرتها على اتخاذ قرارات كبرى بل بقدرتها على الإصغاء لما يحدث في الزوايا البعيدة عن الأضواء. المترو، الأسعار، والشارع المصري ليست مجرد مشاهد يومية بل مؤشرات حية على اتجاهات الوعي والمزاج العام. ومن يفهم هذه المؤشرات يستطيع أن يقرأ المستقبل قبل أن يفرض نفسه بقسوة الواقع.