رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

العد التنازلي بدأ.. الفرصة الأخيرة قبل رفع عدادات الكهرباء القديمة

ارشيفية
ارشيفية

لم تكن العدادات القديمة مجرد صناديق معدنية معلّقة على الجدران، بل كانت شاهدًا صامتًا على زمنٍ طويلٍ من العلاقة اليومية بين المواطن والكهرباء؛ قراءة تُسجَّل بالقلم، وفاتورة تُطرق بها الأبواب، وانتظار يمتد من شهر إلى آخر.

غير أن هذا الزمن يوشك على الانتهاء، ومع انتهاء ديسمبر 2025، وبداية 2026، تدخل تلك العدادات لحظة حاسمة، أقرب إلى مفترق طرق لا عودة بعده.

وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أطلقت تحذيرها الأخير، لا بصوتٍ عالٍ، بل بنصوص قانونية واضحة، تُعلن فيها أن الصبر المؤسسي على التأخير قد بلغ حدّه، وأن منظومة الكهرباء، وهي تعيد ترتيب نفسها، لم تعد تحتمل فجوات السداد ولا ارتباك التحصيل.

حين يتحول التأخير لقرار

لم يعد التأخر في سداد فاتورة الكهرباء مجرد نسيان عابر أو ظرف طارئ؛ فوفق القواعد الجديدة، يصبح التأخير فعلًا له ثمن. سبعة في المائة غرامة تُضاف إلى الفاتورة مع أول شهر تأخير، ثم يتحول الصمت إلى إجراء، ويُرفع العداد بعد فاتورتين غير مسددتين، ليحل محله عداد مسبوق الدفع، لا يعرف المجاملة ولا يؤجل الحساب.

وتؤكد وزارة الكهرباء أن عدد العدادات القديمة في مصر لا يزال ضخمًا، إذ يبلغ نحو 42 مليون عداد، بينها 4.5 مليون عداد معطل بات استبدالها ضرورة لا خيارًا. هذه الأرقام لا تُقرأ باعتبارها إحصاءات فحسب، بل باعتبارها عبئًا على منظومة تسعى إلى الانضباط والكفاءة وتقليل الفاقد.

القانون لا ينتظر

جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك كان واضحًا منذ البداية: العقد بين المشترك وشركة الكهرباء ليس ورقة صامتة، بل التزام متبادل. الامتناع عن السداد لشهرين متتاليين يمنح الشركة حق فسخ التعاقد ورفع العداد؛ ومع ذلك، لم تُغلق شركات التوزيع أبوابها، بل منحت إنذارات متتالية، ومساحات للسداد، بل وحتى فرصًا لتقسيط المديونية.

لكن حين يتحول الامتناع إلى إصرار، يصبح رفع العداد خيارًا اضطراريًا، لا عقوبة انتقامية؛ فالشركة، كما يوضح مسؤولوها، لا ترفع العداد بسبب خطأ المحصل أو تعذر الوصول، بل حين تكون المشكلة نابعة من المشترك ذاته.

أحد عشر طريقًا لرفع العداد

ولأن الأمر لا يقتصر على التأخير في السداد وحده، فقد حدّد القانون أحد عشر سببًا صريحًا لرفع العداد، تبدأ من التوصيل المباشر وسرقة التيار، مرورًا بفض الأختام، والعبث بالعداد، وزيادة الأحمال دون تصريح، ومنع المفتشين، وانتهاءً بهدم العقار أو طلب إنهاء التعاقد.

هي أسباب لا تُدرج عبثًا، بل تعكس محاولة لإعادة الانضباط إلى شبكةٍ طالما أنهكها الفاقد، الفني والتجاري، معًا.

العداد المسبق الدفع

رفع العداد القديم لا يعني الظلام، بل يعني انتقالًا إلى منطق آخر؛ العداد المسبق الدفع لا ينتظر الفاتورة، ولا يراكم الديون، بل يضع الاستهلاك أمام العين، ويجعل القرار بيد المستهلك. كم تستهلك؟ كم تدفع؟ ومتى تتوقف؟

هو عداد لا يخطئ القراءة، ولا يعرف التقدير الجزافي، ولا يسمح بتراكم الأعباء الصامتة؛ ولهذا، لم تعد الدولة تنظر إليه كبديل مؤقت، بل كركيزة أساسية في منظومة الكهرباء الحديثة.

لماذا الآن؟

التحول ليس وليد اللحظة؛ الدولة تمضي منذ سنوات في خطة لتحديث الشبكة القومية، وترشيد الاستهلاك، وتحسين جودة الخدمة، وتقليص الاعتماد على العنصر البشري في القراءة والتحصيل؛ فالعدادات القديمة، مهما طال عمرها، باتت تمثل حلقة ضعيفة في هذه السلسلة.

مع نهاية 2025، اصبح الوقت عنصرًا ضاغطًا؛ فبعد انقضاء ديسمبر 2025، لن تكون التحذيرات مجرد بيانات، بل إجراءات نافذة.

اللحظة الأخيرة للاختيار

ما زال الباب مفتوحًا؛ السداد في الموعد يُنهي القصة عند هذا الحد، والتوجه الطوعي لاستبدال العداد يمنح المشترك فرصة الانتقال الهادئ دون رفع قسري أو انقطاع، لكن التأجيل، في هذه المرحلة، لم يعد حيادًا، بل قرارًا له عواقبه.

على عتبة الرحيل

هكذا، تقف العدادات القديمة عند عتبة الرحيل، لا لأنها فشلت، بل لأن الزمن تجاوزها، وبين مواطن يتدارك اللحظة، وآخر يراهن على التأجيل، تمضي منظومة الكهرباء في طريقها، غير ملتفتة إلا لما يضمن الاستدامة والانضباط. فالعدّ التنازلي بدأ، وهذه ليست مجرد مهلة أخيرة، بل نهاية فصل كامل من تاريخ الكهرباء في مصر.

تم نسخ الرابط