الكريسماس خلف الجدران العتيقة.. كنيسة الشهيدة رفقة وأولادها بالغربية حكاية إيمان لا يشيخ
في قلب قرية سنباط التابعة لمركز زفتى بمحافظة الغربية، تقف كنيسة الشهيدة رفقة وأولادها شامخة كأحد أقدم الشواهد الأثرية القبطية في دلتا مصر، محتفظة بين جدرانها بذاكرة قرون من الإيمان والصمود، ومجسدة تلاقي التاريخ بالروحانية، خاصة مع حلول أعياد الميلاد المجيد، حيث تتحول إلى مقصد روحي وتاريخي للأقباط من مختلف المحافظات.

الكريسماس ليس مجرد مناسبة
في عمق كل احتفال يكمن سؤال أزلي عن معنى الزمن والروح والذاكرة؛ الكريسماس ليس مجرد مناسبة تتكرر على صفحات التقويم، بل هو لحظة تتقاطع فيها التجربة الإنسانية مع الصمود الروحي، حيث تتجلى القيم الخالدة للإيمان والمحبة والتضحية.
قرية سنباط بالغربية
ففي قرية سنباط بالغربية، تقف كنيسة الشهيدة رفقة وأولادها كصرح صامت يروي حكاية الزمن الذي لا يرحم، وحكاية الإيمان الذي لا يزول.
بين جدرانها القديمة وأيقوناتها التي تحمل عبق القرون، يلتقي الماضي بالحاضر، والاحتفال بالخشوع، لتصبح الكنيسة أكثر من مجرد مكان للعبادة؛ إنها تجربة فلسفية وروحية، تدعونا للتأمل في عمق الحياة، وفي قدرة الإنسان على النهوض بعد الكوارث، وفي سعيه المستمر للارتقاء بالروح وسط تقلبات الزمن.
هنا، في بساطة القرية وأصالة التراث، يتجسد المعنى الحقيقي للعيد: أن الفرح لا يولد من المظاهر، بل من صمت القلوب المؤمنة، ومن إرث يربط الإنسان بأجداده وبالروح التي تتجاوز حدود المادة والزمن.

جذور تاريخية تعود للقرن الخامس عشر
ترجع جذور كنيسة الشهيدة رفقة إلى القرن الخامس عشر الميلادي، إذ تشير الوثائق التاريخية إلى أن إعادة بناء الكنيسة تمت ما بين عامي 1465 و1467 ميلاديًا. ويؤكد القس يوسف ناشد ساويرس، كاهن الكنيسة، أن المبنى لم يكن في الأصل كنيسة، بل منزلًا بسيطًا، قبل أن يتحول لاحقًا إلى بيت للعبادة، في دلالة واضحة على بساطة النشأة وعمق الرسالة الروحية التي حملتها الكنيسة عبر العصور.
سنباط قرية عرفت بتعدد الكنائس ثم الفقد
يكشف القس يوسف أن قرية سنباط كانت تضم في الماضي عددًا من الكنائس الأثرية، إلا أن هذه الكنائس تعرضت للهدم خلال أحداث عام 1337 ميلاديًا، وهي الأحداث التي شهدت تدمير العديد من الكنائس في القاهرة والوجهين البحري والقبلي.
وكان لمحافظة الغربية نصيبها من تلك المآسي، حيث هُدمت أربع كنائس كاملة، ولم يتبقَّ في سنباط سوى كنيسة واحدة هي كنيسة الشهيدة رفقة وأولادها، التي بقيت شاهدة على مرحلة تاريخية صعبة، ونجت لتواصل رسالتها حتى اليوم.
كنيسة تحتضن رفات الشهداء

تتمتع الكنيسة بمكانة روحية خاصة بين الكنائس القبطية، إذ تحتضن أجساد خمسة عشر شهيدًا، على رأسهم القديسة رفقة وأولادها الخمسة، إلى جانب الشهيدين بارا وأوتام، فضلًا عن وجود بيعة أخرى للقديس أبو جرج، وأخرى للأنبا مرقس الضرير المعروف باسم ابن القبير.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن هذه الأملاك المتجاورة كانت تشكل في الماضي ديرًا للرجال وديرًا للنساء، في مشهد يعكس أهمية الموقع الدينية والرهبانية في تلك الحقبة.
تسجيل أثري يحفظ القيمة التاريخية
وفي إطار الحفاظ على هذا التراث الفريد، تم تسجيل كنيسة الشهيدة رفقة ضمن عداد الآثار القبطية والإسلامية بقرار من وزارة الثقافة رقم 218 لسنة 1987، والمنشور في جريدة الوقائع المصرية عام 1988، لتصبح بذلك واحدة من الكنائس الأثرية المعترف بقيمتها التاريخية والمعمارية على مستوى الدولة.
طراز معماري نادر
تتميز الكنيسة بطراز معماري فريد يجمع بين النظام البازيليكي والنظام البيزنطي، وهو ما يظهر بوضوح في تخطيطها الداخلي، وتوزيع المذابح، والأعمدة، والقباب، في تناغم يعكس تطور العمارة القبطية وتأثرها بالمدارس المعمارية السائدة في العصور الوسطى.

أبواب تحكي التاريخ
ومن أبرز الكنوز الأثرية داخل الكنيسة، حامل الأيقونات المصنوع من أجود أنواع الخشب والمطعّم بالعاج، والذي يُعد من أندر النماذج الموجودة في الكنائس الأثرية المصرية. كما تضم الكنيسة مجموعة مميزة من الأيقونات الأثرية التي تعود إلى القرنين السابع عشر والتاسع عشر، فضلًا عن الأبواب الأثرية الداخلية والخارجية، التي ما زالت تحتفظ بطابعها التاريخي.
ويبرز كذلك البئر الأثري الموجود عند مدخل الكنيسة، والذي يمثل عنصرًا معماريًا وروحيًا يعكس طبيعة الحياة الدينية والاجتماعية في تلك العصور.
إعادة تشييد مع الحفاظ على الطابع الأثري
وعلى الرغم من قدم الكنيسة، فقد خضعت لعملية إعادة تشييد عام 2003، تمت خلالها مراعاة الحفاظ على طابعها الأثري، دون الإخلال بعناصرها التاريخية، بما يضمن استمرارها في أداء دورها الروحي والخدمي.

روحانية بلا صخب
مع حلول أعياد الميلاد المجيد، تشهد الكنيسة إقبالًا كبيرًا من المصلين والزائرين، الذين يحرصون على حضور الصلوات والقداسات، وسط أجواء تتسم بالخشوع والسكينة. وتتميز احتفالات الكريسماس في سنباط بطابعها الهادئ، حيث تقتصر الزينة على مظاهر بسيطة تعكس روح القرية وفلسفة الاحتفال القائم على الجوهر لا المظاهر.
مقصد للسياحة الدينية والثقافية
ولا تقتصر أهمية كنيسة الشهيدة رفقة على بعدها الديني فحسب، بل تُعد أيضًا مقصدًا مهمًا للسياحة الدينية في محافظة الغربية، لما تحمله من قيمة تاريخية ومعمارية. ويحرص الزائرون على التعرف إلى تاريخ الكنيسة، وتأمل أيقوناتها، والتقاط الصور التذكارية، في تجربة تجمع بين الإيمان والثقافة والتاريخ.

رسالة باقية عبر الزمن
وسط تغير مظاهر الاحتفال وتبدل العصور، تظل كنيسة الشهيدة رفقة بسنباط رمزًا للثبات والبساطة، ورسالة حية تؤكد أن الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى مظاهر صاخبة، بل إلى إيمان راسخ وقلوب مملوءة بالمحبة. ومع كل عيد ميلاد جديد، تواصل الكنيسة دورها كمنارة روحية، تذكر زائريها بأن الكريسماس ليس مجرد مناسبة عابرة، بل معنى متجدد يتوارثه الإيمان جيلًا بعد جيل.



