بين التشريع الصارم والواقع الأمني: مفارقة السلاح في أستراليا
أعاد الهجوم المسلح الذي استهدف تجمعًا يهوديًا على شاطئ بوندي قرب مدينة سيدني، وأسفر عن مقتل أكثر من 10 أشخاص وإصابة العشرات، فتح الجدل مجددًا حول فعالية قوانين حيازة السلاح في أستراليا، رغم تصنيفها طويلًا كنموذج عالمي يُحتذى به في هذا المجال.

«المعيار الذهبي» تحت الاختبار
لطالما وُصفت منظومة ضبط السلاح في أستراليا بأنها «المعيار الذهبي» عالميًا، نتيجة التشريعات الصارمة التي فُرضت منذ تسعينيات القرن الماضي. غير أن الهجوم الأخير يطرح تساؤلات ملحّة بشأن قدرة هذه القوانين على منع العنف المسلح، في ظل تزايد أعداد الأسلحة داخل المجتمع الأسترالي.
مجزرة بورت آرثر.. نقطة التحول
تعود جذور السياسة الأسترالية الصارمة بشأن السلاح إلى مجزرة بورت آرثر عام 1996 في ولاية تسمانيا، والتي أودت بحياة 35 شخصًا. وشكّلت الحادثة آنذاك نقطة تحول مفصلية، إذ واجهت الحكومة المحافظة لوبي السلاح، وفرضت قيودًا غير مسبوقة أدت إلى انخفاض حاد في أعداد الأسلحة النارية.
تشريعات وطنية وتعاون بين الولايات
في أعقاب المجزرة، تعاونت الحكومة الفيدرالية مع حكومات الولايات لحظر الأسلحة شبه الآلية، وتشديد شروط الترخيص، وإلزام مالكي السلاح بإثبات «سبب مشروع» للحيازة. وأسهمت هذه الإجراءات في تعزيز شعور عام بالأمان وترسيخ قناعة بأن أستراليا بعيدة عن ظاهرة إطلاق النار الجماعي المنتشرة في دول أخرى.
ثغرات قانونية وقلق متصاعد
غير أن هجوم سيدني الأخير قد يهز هذه الثقة، ويدفع باتجاه مراجعة منظومة ضبط السلاح. فبالرغم من عدم اتضاح نوعية الأسلحة المستخدمة أو ما إذا كانت قانونية، يحذر خبراء من أن الوصول إلى السلاح لا يزال أسهل مما ينبغي، حتى ضمن الإطار القانوني الحالي.
وبحسب صحيفة «الغارديان»، يعرب مختصون عن قلقهم من حالة «الرضا الزائد» عن القوانين القائمة، في ظل وجود ثغرات بين تشريعات الولايات المختلفة وضعف التنسيق بينها، ما يسمح أحيانًا بتسرب أسلحة مرخصة إلى أيدٍ إجرامية.
سجل وطني غائب
وعلى الرغم من الدعم الشعبي والسياسي الواسع لإصلاحات عام 1996، فإن بعض بنود الاتفاق الوطني للأسلحة النارية لم تُنفذ بالكامل حتى اليوم، وفي مقدمتها إنشاء سجل وطني موحد للأسلحة. وبدلًا من ذلك، تخضع كل ولاية لقوانين مختلفة تُطبق بدرجات متفاوتة من الصرامة.
الهجوم وتداعياته
وقال مفوض شرطة ولاية نيو ساوث ويلز، مال لانيون، إن حادث إطلاق النار الذي استهدف تجمعًا يهوديًا على شاطئ شهير قرب سيدني يُعد «هجومًا إرهابيًا». وأوضح، خلال مؤتمر صحفي، أن نحو 12 شخصًا قُتلوا، فيما نُقل قرابة 29 مصابًا إلى مستشفيات سيدني، بينهم شرطيان، مشيرًا إلى أن الإصابات «خطيرة»، وأن أكثر من ألف شخص كانوا حاضرين في الفعالية وقت وقوع الهجوم.
سياق أوسع من التوتر
ويأتي هذا الهجوم في ظل تصاعد حوادث وُصفت بأنها معادية للسامية في أستراليا، شملت استهداف كنس ومبانٍ وسيارات يهودية، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، ما يضيف بعدًا أمنيًا وسياسيًا جديدًا للنقاش حول السلاح والتطرف داخل البلاد.

