سرّ غامض يتشكل في الشرقية.. مبادرة «عيون أطفالنا» تتجاوز الـ5 ملايين فحص
في محافظة الشرقية، حيث تتقاطع ذاكرة المكان مع أسئلة المستقبل، ينهض الإنسان ليعيد اكتشاف معنى أن يرى العالم بعينين قادرتين على الالتقاط والفهم والمشاركة.
ففي فلسفة البصر يكمن أكثر من مجرد قدرة عضوية؛ إنه نافذة الوعي الأولى، وشرارة الإدراك التي تفتح أمام الطفل بوابات المعرفة وتضعه على بداية الطريق نحو ذاته والعالم.
وحين يصبح النظر مهدداً أو معطوباً، لا يفقد الطفل جزءاً من حواسه فحسب، بل يفقد جزءاً من قدرته على الحلم، على التخيّل، وعلى بناء علاقة متوازنة مع الحياة.

مبادرة عيون أطفالنا مستقبلنا
ومن هنا تتجاوز مبادرة «عيون أطفالنا… مستقبلنا» حدود الطب إلى معنى أوسع؛ حماية القدرة على الفهم، وصون حق الجيل الجديد في أن يرى الحياة بوضوح، بلا ضباب يحجب إمكاناته أو يحدّ من طموحاته؛ إنها عودة الدولة والمجتمع معاً إلى سؤال جوهري كيف نصنع مستقبلاً مضيئاً إذا لم نؤمّن نور الرؤية لأولئك الذين سيحملون هذا المستقبل؟ بهذه الروح تنطلق المبادرة في الشرقية، كفعل إنساني عميق، يعيد للطفل بصره ويعيد له جزءاً من حقه في أن يكون.
وفي ذلك الصدد تشهد محافظة الشرقية واحدة من أكبر الحملات الصحية المخصّصة لحماية بصر الأطفال في مصر، وذلك ضمن المبادرة الوطنية «عيون أطفالنا… مستقبلنا» التي تُنفَّذ بالتعاون بين وزارتي الصحة والتربية والتعليم، وبمشاركة مؤسسات المجتمع المدني.
وتهدف المبادرة إلى الكشف المبكر عن أمراض العيون لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية، وتقديم التدخلات العلاجية اللازمة مجاناً، بما يشمل النظارات الطبية والتدخلات الجراحية.
انطلاق الحملة بالمدارس
انطلقت فعاليات المبادرة في محافظة الشرقية في 9 مارس 2025، لتشمل جميع مدارس المرحلة الابتدائية الحكومية، وتستهدف فحص 656,950 تلميذاً وتلميذة.

وقد كثّفت مديرية الصحة بالمحافظة جهودها عبر نشر فرق طبية مدرَّبة داخل المدارس خلال اليوم الدراسي، مع توفير عيادات متنقلة للفحص المتخصص.
وتضمّن الفحص الأولي إجراء قياس حدة الإبصار للأطفال، وتحديد الحالات المشتبه بإصابتها بضعف النظر أو الحول أو مشكلات قاع العين، تمهيداً لإحالتها إلى وحدات طبية متخصّصة لإجراء الفحوص الدقيقة.
وتيرة متسارعة في التنفيذ
وكشفت التقارير الرسمية الصادرة عن مديرية الصحة في المحافظة عن إحراز تقدم كبير في تنفيذ المبادرة، حيث تمكّنت الفرق الطبية من فحص: 453,127 تلميذاً في المرحلة الأولى من التنفيذ (بنسبة 67% من المستهدف).
ثم ارتفعت النسبة لاحقاً لتصل إلى 537,297 تلميذاً ، ما يعادل 82% من إجمالي المستهدف.
ويؤكد هذا المعدل المتسارع قدرة الشرقية على الاقتراب من التغطية الشاملة لجميع طلاب المحافظة قبل انتهاء الجدول الزمني المحدد.

حالات تستلزم العلاج
أسفرت الفحوصات الأولية عن اكتشاف 6,449 حالة إيجابية بين الطلاب، وهي حالات كشفت الحاجة إلى متابعة طبية دقيقة أو علاج متخصص.
فيما تم استقبال هذه الحالات داخل وحدات الرمد المخصصة للأطفال، وأجريت لهم فحوصات متقدمة، شملت: فحص قاع العين، تقييم الانكسار، الكشف على عضلات العين، تشخيص حالات الحول والسقوط الجفني.
تفاصيل العلاج
أظهرت الإحصائيات الرسمية أن الحالات الإيجابية تلقت خدمات علاجية متكاملة، وجاءت على النحو التالي:
1,005 طالباً تم توفير نظارات طبية مجانية لهم بعد تحديد مقاسات النظر بدقة؛ 480 طالباً حصلوا على علاج دوائي لحالات التهابات العين أو الحساسية أو ضعف الإبصار المؤقت؛ 37 حالة تم تحويلها لإجراء تدخلات جراحية متخصصة في مستشفيات الرمد المعتمدة، بعد ثبوت حاجتها إلى علاج جراحي للحول أو مشكلات خلقية في العين.

المبادرة ومستقبل الطلاب
تأتي هذه المبادرة في إطار دعم رؤية الدولة لبناء جيل يتمتع بصحة جيدة، إذ تعدّ مشاكل الإبصار من أكثر أسباب تراجع التحصيل الدراسي لدى الأطفال؛ ومن خلال الفحص المبكر والعلاج المجاني، تساهم المبادرة في: تحسين تركيز الطلاب داخل الفصول، وكذا الحدّ من تأخر اكتشاف مشكلات النظر، بالاضافة إلى دعم المساواة الصحية بين الأطفال في القرى والمدن، وتقليل معدلات التسرب الدراسي الناتجة عن ضعف البصر غير المُكتشف.
ويشير مسؤولو الصحة في الشرقية إلى أن المبادرة لا تمثل مجرد فحص طبي، بل رعاية صحية شاملة لضمان تنمية قدرات الأطفال المعرفية والتعليمية دون عوائق.
منظومة تعاون واسعة لضمان النجاح
نجاح المبادرة في الشرقية يعود إلى التنسيق بين مديرية الصحة، ومديرية التربية والتعليم، وإدارات المدارس، ووحدات ومراكز الرمد، والعيادات المتنقلة، ومؤسسات المجتمع المدني الداعمة
كما تم اعتماد أنظمة إلكترونية لتسجيل بيانات الأطفال، ما يتيح متابعة دقيقة للحالات وصرف العلاج في الوقت المناسب.

مستقبل تعليمي وصحي أفضل للأطفال
وفي النهاية مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في الشرقية تمثّل نموذجاً متميزاً لكيفية توظيف الجهود الصحية والمجتمعية لضمان مستقبل تعليمي وصحي أفضل للأطفال.
ومع استمرار الفحوصات والعلاجات المجانية، يتوقع أن يرتفع عدد المستفيدين بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة، بما يجعل الشرقية واحدة من أكثر المحافظات نشاطاً ونجاحاً في تنفيذ المبادرة على مستوى الجمهورية.



