أرض البحيرة السحرية.. مشروع عملاق سيجعل المحافظة مفتوحة على الأسواق العالمية
في قلب محافظة البحيرة، حيث تلتقي خيرات دلتا مصر بمثابرة الإنسان على الأرض، تتجلى أهمية الزراعة ليس فقط كوسيلة لإنتاج الغذاء، بل كمدرسة لتشكيل الإنسان وصقل قدراته؛ وفي ذلك الصدد تم تدشين مشروع «برايم» لتعزيز القدرات التسويقية لصغار المزارعين في البحيرة والذي يمثل نموذجًا حيًّا لكيفية تحويل الزراعة من مجرد عمل يومي إلى أداة لتطوير الإنسان اقتصاديًا واجتماعيًا وفكريًا.
فمن خلال تنظيم الإنتاج الزراعي، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وتمكين الفئات الضعيفة، يصبح المزارع في البحيرة ليس مجرد منتج، بل فاعل مؤثر في سلسلة قيمة الحياة نفسها.

لتصبح الزراعة، بهذا المعنى، فن الحياة والحضارة؛ فهي تعلم الإنسان الصبر والمثابرة، وتكشف له دورة الحياة والموت، وتغرس فيه قيم الانضباط والاعتماد على الذات.
مشروع برايم
وخلال السطور التالية ننشر تفاصيل مشروع “برايم” الذي اطلق كمبادرة وطنية تحت إشراف وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بالتعاون مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD) لتقديم دعم شامل لصغار المزارعين في الريف المصري، خصوصاً أصحاب الحيازات الصغيرة، والعمال بلا أرض، والنساء المعيلات، والشباب العاطل، وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
فيما يمثل “برايم” أحد المحاور الأساسية في جهود الدولة للتخفيف من الفقر الريفي، وتحسين الأمن الغذائي، وتعزيز مشاركة الريف في القيمة الاقتصادية للزراعة عبر الربط بين الإنتاج، التسويق، والتمويل.

أهداف المشروع وآليات التنفيذ
تمثلت الأهداف المركزية لـ “برايم”، زيادة دخل صغار المزارعين من خلال تمكينهم من الوصول إلى أسواق أفضل وأسعار عادلة، عن طريق دعم الجمعيات واللجان التعاونية والتسويقية ليكون للمزارع صوت جماعي ومنظومة تسويق منظمة بدلاً من التسويق الفردي العشوائي.
كما يحقق "برايم"، تفعيل الزراعات التعاقدية والتجميعية؛ أي أن يتم التعاقد بين المزارعين (أفراد أو جمعيات) من جهة، وبين تجار أو شركات مشتريّة من جهة أخرى لضمان التسويق والاستقرار.
كما سمح "برايم"، بإتاحة التمويل والخدمات المالية (قروض صغيرة ومتوسطة) لدعم النشاط الزراعي وتجهيز ما بعد الحصاد (نقل، تجهيز، تخزين).
توسيع فرص العمل في الريف
وكذا ساهم مشروع "برايم" في توسيع فرص العمل في الريف، بما يشمل الشباب والنساء، من خلال الزراعة، التجميع، التسويق، النقل، وما بعد الحصاد.
كما أن آليات التنفيذ تضمنت تشكيل لجان تسويقية، إنشاء منافذ تسويقية في المحافظات المستهدفة، توقيع عقود تسويقية مع مشترين، توفير التمويل للمزارعين، وتدريبهم على مفاهيم الزراعة التعاقدية والتسويق.

ما أنجزه برايم
غطّى مشروع "برايم" سبع محافظات، من بينها البحيرة، حيث استهدف، بحسب التصميم نحو 50,000 أسرة ريفية تدخل ضمن سلاسل القيمة الزراعية للحصول على دخل أفضل.
كما تم تشكيل 256 لجنة تسويقية لصغار المزارعين، وكذا أُقيمت منافذ تسويقية في المحافظات المستهدفة.
كما تم تنفيذ عقود تسويقية وزراعات تعاقدية لمساحات تقدر بـ 42 ألف فدان في محافظات المشروع.
كما جرى تدريب أكثر من 5,000 مزارع من أعضاء الجمعيات/اللجان التسويقية على أساليب الزراعة التعاقدية وأساليب التسويق.
ووفق تصريحات لمسؤولين، استفادت أكثر من 40 ألف أسرة من تحسينات في الدخل والحياة ضمن نطاق المشروع.
كما سجل المشروع تعزيزًا في وصول النساء الريفيات إلى القروض، ما نسبته تجاوز 40٪ من إجمالي المشروعات الممولة.
كما دعم المشروع الإنتاج والتسويق وكذا دعم سلاسل القيمة لمحاصيل خضر، نباتات طبية/عطرية ثمار، بالاضافة إلى تسهيل التسويق من خلال العقود، ومن خلال منفذ موحد، ما ساعد على تقليل الفاقد، وتحسين الجودة، والحصول على أسعار أفضل.

فرص على أرض البحيرة
كون محافظة البحيرة ضمن محافظات المشروع، فإن “برايم” يمثل فرصة مهمة لصغار المزارعين في الدلتا، إذ يمنحهم قناة تسويقية منظمة بدلاً من الاعتماد على الوسطاء أو السوق العشوائي، ما يعزز فرصة تحقيق ربح عادل ويقلل من الفاقد.
فمحافظة البحيرة تُعد من المحافظات الأولى في مصر من حيث مساحة الأراضي الزراعية المزروعة.
ففي دراسة حديثة ذُكر أن البحيرة تمثل نحو 15٪ من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية (أو الأراضي الزراعية المزروعة) في مصر.
ففي منطقة الدلتا والتي تُعد القلب الزراعي لمصر، تُعتبر البحيرة من المحافظات المهيمنة، إذ تسهم بشكل كبير في إنتاج محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز وغيرها.
الإيجابيات والفرص
يُظهر “برايم” نموذجًا طموحًا للتنمية الزراعية الريفية، ليس فقط من حيث الإنتاج، بل من حيث التسويق، والتمويل، والتنظيم، والتمكين الاجتماعي.
فالتجربة قدمت فوائد جمة لآلاف الأسر الريفية، وفتحت آفاقًا جديدة لصغار المزارعين كي يكون لهم دور أكبر وأثر أقوى في سلاسل القيمة الزراعية.
لكن التقييم الموضوعي يوضح أن المشروع لم يصل إلى إمكانياته الكاملة، خاصة بسبب جوانب إدارية، ضعف ربط الخدمات، وعدم استمرارية بعض مكوناته.
على الرغم من كل ذلك تبقى الفرصة مواتية إذا أحسن توجيه الموارد، وتعزيز مشاركة الجمعيات/اللجان، وربط المنتجين بالسوق المحلي والإقليمي، يمكن أن يصبح “برايم” نموذجًا يُحتذى به في تنمية الريف المصري، ويحقق نقلة حقيقية في مستوى المعيشة والدخل للفلاح البسيط.

صناعة الحياة
وفي النهاية، الزراعة بجوهرها هي رحلة مستمرة لتشكيل الإنسان، ليصبح ليس فقط منتجًا للطعام، بل صانعًا للحياة ومستكشفًا للمعنى، يزرع في الأرض كما يزرع في نفسه قيم العمل، والاحترام، والأمل في غد أفضل.



