لغز الصحراء الخضراء بالشرقية.. ما الذي يحدث في الصالحية الجديدة؟
مشروع الصالحية الجديدة الزراعي في الشرقية، ليس مجرد مخطط تنموي أو مساحة خضراء تمتد فوق صحراء كانت جرداء؛ بل هو سؤال كبير طرحته الدولة على المستقبل، هل يمكن أن تستعيد الأرض روحها إذا مُنحت الماء والإرادة؟.
ففي جوهره، يقف هذا المشروع كفعل فلسفي قبل أن يكون فعلًا زراعيًا، محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الحضارة وجذورها الأولى حين كان العمران يبدأ من بذرة تُغرس في التربة.

مشروع الصالحية الجديدة
حيث يُعد مشروع الصالحية الجديدة الزراعي واحدًا من أضخم مشروعات التنمية الزراعية في مصر، إذ يمثل نموذجًا رائدًا لاستصلاح الأراضي الصحراوية وتحويلها إلى مجتمعات منتجة تعتمد على الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية المتكاملة.
ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره أحد الأعمدة الأساسية في استراتيجية الدولة لتحقيق الأمن الغذائي وتعظيم الإنتاج الزراعي، فضلًا عن دوره في خلق فرص العمل وتنمية المناطق الصحراوية.

النشأة والخلفية التاريخية
بدأ التفكير في إنشاء مشروع الصالحية الجديدة في إطار خطة الدولة لاستصلاح الأراضي في مناطق شرق الدلتا خلال السبعينيات والثمانينيات.
واستنادًا إلى رؤية تقوم على توسيع الرقعة الزراعية لمواجهة النمو السكاني المتزايد، وكذا الاستفادة من الموارد المائية عبر تطوير أنظمة الري.
بالإضافة إلى خلق مجتمعات عمرانية وزراعية جديدة تحدّ من الضغط السكاني على وادي النيل والدلتا.

وقد أُنشئ المشروع على مراحل متتالية، وصولًا إلى تكوين مجتمع متكامل يضم الزراعة، والإنتاج الحيواني، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية.
موقع المشروع ومساحته
يقع مشروع الصالحية الجديدة ضمن نطاق محافظة الشرقية عند المدخل الشرقي للدلتا، ويشكّل نقطة اتصال مهمة بين محافظات شرق الدلتا وشمال سيناء.
وتصل المساحة الإجمالية للمشروع إلى عشرات الآلاف من الأفدنة المستصلحة، ما جعله يُصنف كأحد أكبر مشروعات الاستصلاح في مصر.

ويمتاز موقعه بقربه من محور القناة والمناطق اللوجستية الجديدة، وكذا ارتباطه بشبكة الطرق القومية مثل طريق الإسماعيلية – الزقازيق، وطريق الصالحية – بورسعيد، بالإضافة إلى توافر مصادر المياه عبر ترعة السلام ومصادر الري الجوفية.
مكونات المشروع
يشكّل الإنتاج النباتي محورًا رئيسيًا في مشروع الصالحية الجديدة، حيث يضم مجموعة واسعة من المحاصيل منها القمح، والذرة، والشعير، والبنجر، والذرة الرفيعة؛ هذه المحاصيل تُزرع وفق منظومة تعتمد على الميكنة الكاملة منذ التجهيز وحتى الحصاد.
أما عن الخضر فمشرع الصالحة الجديدة ينتج البطاطس، والطماطم، والبصل، والخيار، والفلفل، والكوسة، حيث تُزرع هذه المحاصيل بغرض التصدير أو خدمة السوق المحلي، مع الحفاظ على مواصفات الجودة والمعايير الدولية.
كما تعد الصالحية الجديدة من المناطق الرائدة في إنتاج الفاكهة مثل العنب، والموالح، والرمان، والزيتون، فيما تساهم هذه المحاصيل في تعزيز الصادرات الزراعية المصرية، خاصة عبر موانئ القناة.

نظم الري
يعتمد مشروع الصالحة الجديدة على الري المحوري (Pivot Irrigation)، وكذا الري بالتنقيط (Drip Irrigation)، ونظم الاستشعار لقياس الرطوبة والتنبؤ بالاحتياجات المائية؛ هذه الأنظمة ساهمت في تحقيق كفاءة عالية في استخدام المياه وتقليل الفاقد.
الثروة الحيوانية
فيما يمثل قطاع الثروة الحيوانية أحد ركائز المشروع، ويضم مزارع الأبقار، "سلالات عالية الإنتاجية لإنتاج الألبان واللحوم"، وكذا نظم تغذية متطورة تعتمد على أعلاف يتم إنتاجها داخل المشروع.
كما يضم المشروع مزارع الأغنام والماعز؛ سلالات محسّنة وراثيًا لزيادة معدلات النمو، بالاضافة إلى وحدات رعاية بيطرية متخصصة.

وحدات التصنيع الحيواني
أما عن وحدات التصنيع الحيواني، فهناك مجازر حديثة مطابقة للمواصفات، وكذا خطوط إنتاج مشتقات الألبان، بالإضافة إلى مراكز تبريد وتخزين لضمان جودة المنتج.
الصناعات الغذائية
ولتعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعي والحيواني، تم إنشاء مصانع لتعبئة الخضر والفاكهة للتصدير، وكذا مصانع لتجفيف البصل وإنتاج البطاطس النصف مقلية، بالإضافة إلى مصانع معالجة وتعليب الفاكهة، ومصانع أعلاف لخدمة مشروعات الماشية.
كما ضم المشروع ثلاجات تبريد وتخزين لوجستي، حيث أن هذه الصناعات ساعدت على تحقيق التكامل الكامل داخل المشروع.
البنية التحتية والخدمات
وتمثل البنية التحتية للمشروع تحدي حقيقي فهناك شبكة طرق داخلية ومحاور ربط رئيسية تسمح بحركة النقل والشحن بسهولة، كما أنه تم انجاز محطات كهرباء تغذي المنطقة بالكامل، مع استخدام محدود للطاقة الشمسية في بعض المناطق.

الخدمات الاجتماعية
كما ضم المشروع مناطق سكنية للعمال والمهندسين، ووحدات صحية ومراكز خدمية، ومدارس ومرافق اجتماعية.
أهداف استراتيجية
يتمثل الهدف الاستراتيجي من المشروع دعم الأمن الغذائي المصري، من خلال إنتاج محاصيل استراتيجية كالقمح والذرة والخضر والفاكهة، كما يوفر المشروع آلاف فرص العمل المباشرة، إلى جانب فرص غير مباشرة في النقل والتجارة والخدمات.
زيادة الصادرات
ويساهم مشروع الصاحلية الجديدة في تدعيم الصادرات الزراعية، خصوصًا للمنتجات التي تتمتع بسمعة عالمية مثل العنب والموالح، كما يمثل المشروع قاعدة اقتصادية تدعم المنطقة وتمهّد لإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة.
التحديات والمعوقات
على الرغم من كل هذا الانجاز تستمر التحديات أمام مشروع الصالحية الجديدة فهناك الحاجة المستمرة لتوفير مصادر مياه مستدامة، بالإضافة إلى التوسع في الصناعات التحويلية لزيادة القيمة المضافة؛ وكذا تطوير طرق النقل لرفع كفاءة الشحن، ومواكبة أحدث التقنيات الزراعية.
مستقبل مشروع الصالحية الجديدة
فيما تعمل الدولة على تطوير المشروع عبر زيادة المساحات المزروعة، وإدخال نظم ري ذكية، والتوسع في التصنيع الغذائي، وتطوير شبكات النقل والخدمات اللوجستية لربطه بالموانئ.

مسيرة التنمية المصرية
وفي النهاية يظل مشروع الصالحية الجديدة الزراعي علامة بارزة في مسيرة التنمية المصرية، ونموذجًا يُحتذى به في استصلاح الصحراء وتحويلها إلى واحات إنتاجية وصناعية.
وقد أثبت المشروع أن الاستثمار في الزراعة ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو بناء للحياة، وتوسيع لأفق التنمية، وترسيخ لأسس الأمن الغذائي الذي تعتمد عليه المجتمعات لاستدامة نهضتها.
لقد جاء المشروع ليقول إن الصحراء ليست قدرًا ثابتًا، وإن العمران لا ينشأ فقط من الحجر، بل من قدرة الإنسان على تحويل الفراغ إلى حياة.
الصالحية الجديدة ليست فقط أرضًا تُزرع، بل رؤية تُجسّد فكرة أن التنمية ليست توسعًا جغرافيًا، بل عودة واعية إلى أصل الحكاية: الأرض التي تطعم، وتحمي، وتبني الإنسان.
مساحة خضراء
وهكذا يتحول المشروع إلى تجسيد لفلسفة عميقة مفادها أن المستقبل يُزرع قبل أن يُبنى، وأن كل نهضة حقيقية تبدأ من قدرة المجتمع على استرداد سيادته على الغذاء، والماء، والموارد؛ لتصبح الصالحية الجديدة رمزًا لتحويل الحلم إلى مساحة خضراء تخفق بالحياة.



