رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: بين قلبٍ يحب وعقلٍ يحاسب

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

العلاقات الإنسانية في جوهرها مسرحٌ تتقاطع فيه العاطفة مع المنطق، فالقلب يريد أن يُحب بلا حساب، والعقل يطلب أن يتأكد قبل أن يمنح الثقة. وبين هذا وذاك يقف الإنسان حائرًا، ممزقًا بين رغبته في الطمأنينة وخوفه من الخذلان.
القلب يقول: “أحب كما أنت”، والعقل يرد: “لكن لا تنسَ ما فعل سابقًا”. تلك المعركة الداخلية لا تخلو منها أي علاقة، مهما بلغت نضجًا أو عمقًا، لأننا ببساطة نحمل داخلنا ذاكرة الوجع مثلما نحمل الشوق ذاته.

المرأة تميل بطبعها إلى الإصغاء لنداء القلب، تتعامل مع الحب كحالة إيمان، وكأنها تعطي جزءًا من ذاتها لتطمئن أن الآخر سيفهمها دون شرحٍ طويل. أما الرجل، فغالبًا ما يتعامل مع الحب كمعادلة توازن بين ما يعطيه وما يتلقاه، يخاف من الخسارة بقدر ما يخاف من الالتزام الكامل. لذلك قد يبدو مترددًا، حذرًا، يراجع التفاصيل قبل أن يصدق المشاعر، كأن العقل في داخله يراقب كل نبضة خوفًا من أن تجره إلى قرارٍ لا عودة منه.

تبدأ العلاقة عادة باندفاع القلبين، ثم يتدخل العقل شيئًا فشيئًا، يراجع، يقارن، يسأل: هل هذا الحب حقيقي؟ هل ما أشعر به استحقاق أم عادة؟ هل الطرف الآخر يراني بصدق أم يكتفي بفكرة عني؟ وكل تلك الأسئلة ليست ضعفًا، بل حاجة فطرية للاتزان، لأن من أحب بعقله فقط لم يذق طعم الحب، ومن أحب بقلبه وحده لم ينجُ من وجعه.

القلب يريد أن يغفر، والعقل لا ينسى. القلب يرى التفاصيل الصغيرة التي تشبه الحنان، والعقل يلتقط التناقضات التي تزرع الشك. وبينهما تتأرجح المواقف، فربما يشتاق القلب إلى من أوجعه، بينما يذكّره العقل بأن الرجوع إلى نفس الطريق يعني تكرار النهاية نفسها.
هذا الصراع لا يعني ضعف الحب، بل هو دليل على أنه حيّ، يتحرك داخلنا بين الإقدام والتراجع، بين الغفران والحذر، بين الحنين والرشد.

في لحظات الخصام، يتحدث القلب بلغة الاحتياج، يريد أن يعود سريعًا ليعيد دفء القرب، بينما العقل يطلب مسافة كافية ليرى الصورة كاملة. القلب يريد أن يهدأ بعناق، والعقل يريد أن يفهم قبل أن يهدأ.
ولهذا قد تتهم المرأة شريكها بالبرود لأنها تنتظر ردًا عاطفيًا، بينما هو منشغل بتحليل الموقف بعقله. وقد يراها هو متسرعة، لأنها تتحدث من وجع اللحظة دون أن تنتظر تبريره. الحقيقة أن كليهما على حق، فهما فقط يتحدثان بلغتين مختلفتين؛ لغة القلب التي تبحث عن الشعور، ولغة العقل التي تبحث عن المنطق.

أحيانًا يقسو العقل في محاولته لحماية القلب، فيحول العلاقة إلى مساحة من المراقبة بدل المشاركة. وأحيانًا يتمادى القلب في عطائه حتى يفقد ذاته في الآخر. وبين الإفراطين، تتشكل النضوجات العاطفية الكبرى. فالعلاقة الصحية ليست تلك التي ينتصر فيها طرف على آخر، بل التي يتصالح فيها القلب والعقل معًا، فيتعلّم القلب أن يحب دون أن يعمي، ويتعلّم العقل أن يفهم دون أن يجرّد المشاعر من إنسانيتها.

المرأة التي نضجت عاطفيًا تعرف متى تُنصت لقلبها، ومتى تُصغي لعقلها، لا لأنها فقدت الإحساس، بل لأنها أدركت أن التوازن هو البقاء. والرجل الذي تجاوز خوفه من الضعف يفهم أن القوة لا تعني التجاهل، وأن الذكاء لا يلغي الحاجة إلى الحنان. الحب لا يعيش في طرفٍ واحد من الإنسان، بل يحتاج أن يسكن القلب والفكر معًا، فينضج الشعور بدل أن يحترق.

كثيرون يظنون أن العقل عدو الحب، والحقيقة أنه مرآته الواقعية. فالعقل لا يمنع العاطفة، بل يحميها من أن تتحول إلى استنزاف. والقلب لا يفسد المنطق، بل يمنحه دفئًا إنسانيًا يجعلنا نرى في الآخر ما يتجاوز المعايير الباردة. التوازن بين الاثنين هو ما يجعل العلاقة تنجو من وهم المثالية وتعيش حقيقة القرب.

في لحظة النضج، ندرك أن المحبة ليست تسليمًا أعمى ولا حسابًا متواصلًا، بل حالة وعي. نحب بعمق، لكننا نرى بوضوح. نغفر بصدق، لكننا لا نعود لذات الدائرة. نشتاق، لكننا لا نضعف أمام من لم يصنّ مشاعرنا. تلك المعادلة لا تأتي بسهولة، بل تُولد من تجارب موجعة جعلتنا نفهم أن القلب وحده لا يكفي، وأن العقل وحده لا يُسعد.

الحب في جوهره فعل إيمان، والثقة هي صلاته الأولى. فالقلب الذي يحب يحتاج إلى عقلٍ يؤمن به لا يعاقبه، والعقل الذي يحاسب يحتاج إلى قلبٍ يذكّره بأن المشاعر ليست معادلات. ما بينهما يعيش جوهر العلاقة الحقيقية، علاقة تنضج لا لأنها خلت من الخلافات، بل لأنها تعلمت كيف تحوّل الصراع الداخلي إلى وعي مشترك.

في النهاية، من أحب بعقله فقط عاش حبًا محسوبًا بلا حرارة، ومن أحب بقلبه فقط ذاب حتى الفناء. أما من جمع بين القلب والعقل، فقد عرف الطريق الأصعب والأجمل معًا: طريق الحب الواعي، الذي لا يطلب الكمال، بل الصدق، ولا يخشى الغياب، بل يفهم معناه.

تم نسخ الرابط