رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: الحب كما يجب أن يكون

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

في الرابع من نوفمبر من كل عام، تحتفل مصر بعيد حبّها الخاص، ذاك الذي لم يُولد من زهورٍ حمراء ولا من بطاقاتٍ موسومة بعباراتٍ غربية، بل من فكرةٍ إنسانية نابعة من قلبٍ آمن بأن الحب لا يجب أن يُختزل في علاقةٍ عاطفية فحسب. ففي عام 1974، أطلق الكاتب مصطفى أمين مبادرته ليكون هذا اليوم دعوةً للاحتفاء بالمحبة بكل أشكالها، حب الوطن، والأصدقاء، والعائلة، والجيران، والإنسانية كلها. يومٌ للحب بمعناه الأوسع: ذاك الذي يربط بين البشر كجسرٍ من الدفء.

لكننا، ونحن نحتفل بهذا المعنى الواسع للحب، لا يمكننا تجاهل صورته الأكثر حميمية، تلك التي تسكن تفاصيل العلاقة بين الرجل والمرأة. فالحب بينهما يظلّ التجسيد الأوضح للمشاعر الإنسانية في أنقاها وتعقيدها معًا، رحلةٌ طويلة تبدأ بنبضة إعجاب، وتمتد لتشمل مراحل العمر بكل تحوّلاته.

في بدايات التعارف، يكون الحب كطفلٍ صغير لا يعرف الخوف. كل شيء يبدو مشرقًا، وكل كلمةٍ تُقال تُشعل القلب فرحًا. هناك انبهار متبادل، واستكشافٌ لعالمٍ جديد اسمه "نحن". في تلك المرحلة، تسكن العاطفة في التفاصيل الصغيرة: رسالة صباحية، نظرة عابرة، انتظار اتصالٍ لا يأتي إلا بعد قلقٍ جميل. الحب في بداياته يشبه الحلم الذي لا يريد أحد أن يستيقظ منه.

ثم تأتي مرحلة الخطوبة، حيث يقترب الحلمان من أرض الواقع. تبدأ المسافات بالانكماش، لكن معها تنكشف الطباع، وتظهر الفوارق، ويبدأ التفاوض غير المعلن بين القلب والعقل. هنا يتعلّم الطرفان أن الحب ليس فقط انجذابًا، بل فهمًا وصبرًا ومرونة. فالعلاقة الحقيقية لا تنجو بجمال العاطفة فقط، بل بنضجها.

أما في الزواج، حين يصبح الحب بيتًا لا وعدًا، تبدأ التجربة الحقيقية. فالعشق الذي كان يكفيه حضور المساء، يحتاج الآن إلى مسؤولية النهار. الحب الزوجي هو اختبار الاستمرارية وسط الاعتياد، هو القدرة على أن ترى في الشخص ذاته كل يوم جديدًا، رغم أنك تعرف ملامحه عن ظهر قلب. في هذه المرحلة، يتحول الحب من مشاعر تفيض إلى فعلٍ يُمارس. يصبح الاهتمام اليومي، والإصغاء الصادق، والتقدير البسيط، لغة أخرى للعاطفة. فالحب في جوهره فعل إيمان، والثقة هي صلاته الأولى.

ثم يأتي التحول الأعمق بعد الإنجاب. يدخل الحب هنا امتحان التضحية. تتغير الأولويات، ويصبح كلٌّ من الزوجين مرآةً لمسؤولياته أكثر من ذاته. بين ليالٍ بلا نوم، ومهامّ لا تنتهي، يبهت الكلام الجميل، وتتراجع الرومانسية إلى مقاعد الانتظار. غير أن الأزواج الذين يدركون أن هذا التحول طبيعي، وأن الحب لا يختفي بل يتغير شكله، هم من يعبرون تلك المرحلة بأمان. فالعطاء الصامت، والاحتواء في التعب، والنظرة التي تقول "أنا معك رغم كل شيء"، هي امتدادٌ آخر للحب لا يقل صدقًا عن بداياته.

ومع مرور الوقت، ومع كِبر الأبناء وتقدّم العمر، يعود الحب إلى جوهره الأول، لكن بشكلٍ أكثر نضجًا وهدوءًا. يصبح الحضور أثمن من الكلمات، والمودة أغلى من المفاجآت. الحب في الشيخوخة هو حب الرفقة، حب الألفة التي لا تحتاج إلى تفسير. هو ذاك الشعور الدافئ بأن هذا الشخص الذي عاش معنا صخب الأيام وسكونها، ما زال هنا، رغم التعب، رغم السنين، رغم تغيّر الملامح.

في كل مرحلةٍ من هذه المراحل، يتبدّل وجه الحب، لكنه لا يفقد روحه. من الطفولة العاطفية في البدايات، إلى الحكمة الهادئة في النهايات، يبقى هو الرابط الذي يجعل الحياة أكثر احتمالًا. إنه تلك المساحة التي نتشارك فيها خوفنا وفرحنا، ضعفنا وقوتنا، أحلامنا وخيباتنا.

ولعلّ أجمل ما في عيد الحب المصري أنه يعيد تذكيرنا بهذه الفكرة: أن الحب لا يُقاس بلحظةٍ من الزهو، ولا يُحتفل به مرة في العام، بل يُعاش كقيمةٍ يومية. فالحب ليس موسمًا يأتي ويغيب، بل هو عادةٌ روحية، تحتاج إلى أن نسقيها بالاهتمام، ونحميها من الإهمال، ونؤمن بها .

، فنحن اصبحنا تعبيرات العاطفة تُختصر في رموزٍ رقمية، نحن في حاجة إلى هذا اليوم الذي يعيد إلينا المعنى الإنساني للحب، الذي يُذكّرنا أن خلف كل علاقة، مهما كانت معقدة، هناك قلبٌ يريد أن يُحب ويُحَب، وأن الحب في جوهره مسؤولية كما هو متعة، ووعي كما هو اندفاع.

إن مبادرة مصطفى أمين لم تكن مجرد فكرة للاحتفال، بل كانت نداءً لبعث إنسانيةٍ مفقودة وسط صخب الحياة. نداءً لأن نتذكر أن الحب ليس حكرًا على العشاق، بل هو لغةُ الحياة كلها، وأن الوطن لا يُبنى إلا بالمحبة، والعائلة لا تستمر إلا بها، والإنسان لا ينضج إلا حين يتعلّم كيف يحب دون شروط.

فالحب ليس مناسبة ننتظرها، بل طريقة نعيش بها. ليس كلمة تُقال في لحظةٍ عابرة، بل فعلٌ يتكرر في صمت الأيام. هو أن نرى في الآخر امتدادًا لأنفسنا لا تملكنا فيه الغيرة، ولا يُطفئه الاعتياد. الحب هو ما يجعلنا نغفر، ونحاول، ونبدأ من جديد كل مرة، لأنه ببساطة… ما يبقينا أحياء.

تم نسخ الرابط