أول عمدة مسلم لنيويورك.. 5 أسباب وراء الفوز الساحق وتغير المزاج الديمقراطي
شهدت مدينة نيويورك تحولاً سياسياً لافتاً بفوز السياسي التقدمي وعضو مجلس ولاية نيويورك السابق، زهران ممداني، بمنصب عمدة المدينة، متغلباً على منافسه القوي أندرو كومو، وهو عمدة سابق ومخضرم. ويعد هذا الفوز سابقة تاريخية؛ إذ يصبح ممداني أول مسلم يتولى قيادة مدينة نيويورك، الأمر الذي اعتبره المراقبون دليلاً على تحول عميق في المزاج الشعبي والجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ورغم أن استطلاعات الرأي كانت تضعه في المراتب الأخيرة قبل أشهر قليلة من الانتخابات، نجح ممداني في قلب الطاولة ببراعة.
5 أسباب لفوز ممداني
صحيفة "ذا هيل" الأميركية أجرت تحليلاً مفصلاً لرحلة صعود ممداني، وحددت خمسة عوامل رئيسية وراء هذه النتيجة المدوية التي فاجأت المؤسسة السياسية على رأسها رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب:
1. تركيز حاسم على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة
كانت قضية القدرة على تحمل نفقات المعيشة بالنسبة لسكان نيويورك هي المحور الأهم الذي مكن ممداني من التجاوز. ففي الوقت الذي ركز فيه غريمه أندرو كومو بشكل أساسي على ملفات تقليدية مثل الأمن والجريمة، جعل ممداني من الأعباء المالية التي تواجه الطبقة العاملة نقطة ارتكاز لحملته. وقد استخدم شعارات رنانة ومباشرة مثل "مدينة يمكننا تحمّل تكاليفها" و"إسكان ميسور للجميع"، وهي شعارات لامست الواقع المعيشي الصعب لملايين الناخبين. هذا التركيز نقل الحملة من الجدال حول الأمن إلى الجدال حول البقاء الاقتصادي اليومي، مما حسم السباق لصالحه.
2. رسالة واضحة ومتسقة غير قابلة للالتباس
تميزت حملة ممداني منذ لحظة انطلاقها باتساق رسالتها ووضوحها التام؛ حيث دافع بصلابة عن الطبقة العاملة وتعهد بجعل الحياة أسهل للجميع. على عكس الحملات الديمقراطية السابقة التي غالباً ما تتسم بالغموض أو محاولة التوفيق بين الأطراف، لم يبد ممداني متردداً بشأن أهدافه التقدمية ومواقفه الاشتراكية الديمقراطية. هذا الوضوح كان له صدى واسع، لدرجة أن التقرير أشار إلى أن بعض أنصار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب دعموا حملته، ليس توافقاً أيديولوجياً، بل بسبب قوة طرحه وصدقه في الدفاع عن مصالح المواطن البسيط.
3. تحويل "نقص الخبرة" إلى ميزة
حاول أندرو كومو، بصفته خبيراً إدارياً متمرساً وعمدة سابقاً، تقديم نفسه كمرشح الواقعية، وهاجم ممداني مراراً بسبب ما وصفه بـ "افتقاره إلى الخبرة التنفيذية" اللازمة لقيادة مدينة بحجم نيويورك. لكن ممداني نجح بذكاء في استخدام هذا النقد لصالحه؛ حيث صور نفسه على أنه وجه جديد يرفض الانخراط في "النظام السياسي القديم" الفاسد أو غير الفعال. هذا الخطاب المناهض للمؤسسة السياسية القائمة (Anti-Establishment) وجد قبولاً واسعاً، وذكّر المراقبين بحملة ترامب الناجحة عام 2016 التي اعتمدت أيضاً على رفض النخبة السياسية التقليدية.
4. انتشار واسع وغير تقليدي
لم يعتمد ممداني على الأساليب التقليدية في الترويج، بل حرص على الظهور في كل مكان وبطرق غير مألوفة للسياسيين. هذا الانتشار الواسع شمل التواجد في المؤتمرات الصحفية التقليدية، ولكن الأهم كان الظهور المكثف والذكي في وسائل التواصل الاجتماعي والحفلات الليلية. فقد عقد ممداني فعالية خاصة بـ "المؤثرين" (Influencers) التي جذبت أكثر من 31 ألف بث مباشر. كما فاجأ الجميع بظهوره المفاجئ في أحد النوادي الليلية في بروكلين، حيث ألقى خطاباً حماسياً في الحضور. وحتى إعلاناته، التي بثها على قناة فوكس نيوز المحافظة، كسرت القواعد المعتادة للمرشحين التقدميين، مما ضمن له أوسع مدى وصول.

5. حشد طاقة اليسار
كانت حملة ممداني بمثابة استغلال أمثل للطاقة المتجددة والحماس الهائل داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي. وقد استندت حملته على دعم صلب من النقابات العمالية، إلى جانب حشد أعداد كبيرة من المتطوعين والمتبرعين الصغار الذين ضخوا التمويل اللازم. وقد وصف محللون حملة ممداني بأنها واحدة من أنجح الحملات التقدمية الحديثة، رغم الإشارة إلى أن نموذجها "يناسب نيويورك تحديداً" كنقطة انطلاق.
ونقلت الصحيفة عن أحد الإستراتيجيين الديمقراطيين قوله معلقاً على تكتيكات ممداني في حشد التأييد: "سواء أحببتموه أم كرهتموه، فلن تستطيعوا الابتعاد عنه"، مضيفاً أن نجاحه يفرض قواعد جديدة: "عندما نقول إننا بحاجة إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة، علينا اتباع هذا النوع من القواعد، وليس ما اعتمدناه في السنوات الماضية". ويرى المراقبون أن فوز ممداني يمثل إشارة واضحة إلى تحول السياسة التقدمية في أميركا، حيث أصبحت قضايا مثل السكن الميسور وتكاليف المعيشة تتفوق على الخبرة السياسية والشخصيات التقليدية مثل أندرو كومو.




