بعد رضوخ نتنياهو.. هل يستطيع ترامب أن يُكمل اتفاقية السلام في غزة؟
تتجه الأنظار مجددًا نحو الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بعد تحركاته الأخيرة لإعادة إحياء وتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية في الشرق الأوسط وبالأخص اتفاقية السلام في غزة ، في خطوة يراها الجميع محاولة لإعادة تموضع واشنطن في ملفات المنطقة الحساسة، بينما يربط آخرون بينها وبين طموحاته السياسية المقبلة.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة ميرال صبري، أستاذ العلوم السياسية، أن ترامب لا يطلق تصريحات عشوائية عندما يتعلق الأمر بالاتفاقيات الإبراهيمية، مشيرة إلى أن كل خطوة في هذا الملف محسوبة بدقة لخدمة أهداف سياسية ودبلوماسية بعيدة المدى.

ما وراء الاتفاقيات الإبراهيمية
وأوضحت صبري في تصريحات تلفزيونية، أن الهدف الأساسي من الاتفاقيات الإبراهيمية يتمثل في تطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، تحت غطاء تحقيق "السلام والاستقرار" في المنطقة.
وأضافت، أن مبعوث ترامب الخاص للشرق الأوسط كان قد تحدث قبل أشهر عن خطة لتوسيع الاتفاقيات لتشمل دولًا عربية لم تكن يومًا مرشحة للتطبيع، مثل السعودية ولبنان وسوريا وليبيا، في إشارة إلى تحولات كبيرة محتملة في موازين القوى الإقليمية.
وأكدت أن تصريحات المبعوث الأمريكي الأخيرة تكشف عن رؤية جديدة للبيت الأبيض تقوم على ربط الاستقرار السياسي والأمني في الشرق الأوسط بعلاقات طبيعية مع إسرائيل، معتبرة أن ذلك يشكل استمرارًا لنهج ترامب الذي حاول ترسيخ فكرة أن طريق السلام يبدأ من بوابة التطبيع.

حرب غزة ودور ترامب في الوساطة
وشهدت المنطقة خلال الأشهر الأخيرة تطورات متسارعة، حيث تمكن ترامب، الذي يصف نفسه بأنه "صانع السلام"، من تحقيق اختراق دبلوماسي بارز بعد نجاحه في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في غزة.
وجاء الاتفاق متزامنًا مع صفقة لتبادل الرهائن والمعتقلين بين الجانبين، ما اعتُبر إنجازًا سياسيًا كبيرًا للرئيس الأمريكي الذي يسعى لاستعادة بريقه الدولي بعد سنوات من الجدل خلال فترته الرئاسية السابقة.
ورغم نجاح ترامب في تحقيق هذا التفاهم، يرى عدد كبير من الخبراء المتخصصين في المجال السياسي والدولي ، أن التحدي الحقيقي يبدأ من الآن، إذ ما تزال العديد من بنود خطة السلام التي طرحها – والمكونة من 20 بندًا – محل خلاف كبير بين إسرائيل وحماس، خاصة ما يتعلق بنزع سلاح الحركة ودورها المستقبلي في إدارة غزة.
خلافات إسرائيلية داخلية حول خطة ترامب
على الجانب الإسرائيلي، أثارت خطة ترامب انقسامًا سياسيًا حادًا داخل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فبينما أبدى نتنياهو مرونة تجاه المقترحات الأمريكية، اعتبرها بعض حلفائه في الائتلاف الحاكم "تنازلات خطيرة"، وهدد وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير بالاستقالة رفضًا لاتفاق وقف إطلاق النار مع حماس.

ويرى المتخصصين ، أن هذا الانقسام يعكس المأزق الذي يعيشه نتنياهو قبيل الانتخابات المقبلة، في وقت يحاول فيه الحفاظ على تماسك حكومته اليمينية وسط ضغوط أمريكية متزايدة لقبول خطة ترامب.
خطة سلام غامضة ومهام دبلوماسية صعبة
أكد المختصيين بالشأن العربي الإسرائيلي ، أن قوة خطة ترامب للسلام هي في الوقت ذاته مصدر ضعفها، لأنها تتسم بالغموض في كثير من بنودها، فحتى الآن، لم تُحسم التفاصيل المتعلقة بمستقبل إدارة غزة، أو الموقف من قيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يجعل الطريق أمام تنفيذ الاتفاق مليئًا بالعقبات السياسية والأمنية.
ويشير جون ألترمان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية، إلى أن ترامب يتمتع بنفوذ كبير داخل إسرائيل بفضل شعبيته، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديًا يتمثل في فرض رؤيته على حكومة يمينية متشددة لا ترغب في تقديم تنازلات.
النفوذ الأمريكي وموقف إسرائيل
ويرى ألترمان، أن ترامب استخدم خلال فترته الرئاسية السابقة سياسة تقوم على الدعم المطلق لإسرائيل دون السعي إلى التوازن التقليدي في الموقف الأمريكي، وهو ما منح واشنطن نفوذًا كبيرًا على تل أبيب.

اعترفت إدارة ترامب رسميًا بـ القدس عاصمة لإسرائيل وبضم الجولان، ما جعل نتنياهو يعتمد عليه سياسيًا، بل ويخضع لضغوطه في بعض المواقف الحساسة.
ويقول مسؤول أمريكي إن ترامب "وقف إلى جانب إسرائيل بنسبة 100%"، وهو ما سمح له بالتأثير في قراراتها لاحقًا، خصوصًا في ملف غزة.
حسابات انتخابية ومشهد غامض
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية المقبلة، يبدو أن مشهد "السلام الإبراهيمي" سيتحول إلى ورقة انتخابية لكلا الطرفين، فبينما يسعى ترامب لتقديم نفسه كصانع سلام عالمي، يحاول نتنياهو توظيف الملف لتثبيت موقعه السياسي، رغم اعتراضات شركائه اليمينيين على أي حديث عن دولة فلسطينية مستقبلية.
وحذر ألترمان من أن أي تأخير في تنفيذ خطة ترامب أو تعنت من حماس في نزع سلاحها قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق بالكامل، وإعادة إشعال الصراع من جديد، مما يهدد الجهود الأمريكية بتثبيت السلام في المنطقة.



