غزة تحاصر إسرائيل دبلوماسيًا: عزلة دولية غير مسبوقة
دخلت إسرائيل عامها الثاني في الحرب على قطاع غزة، لكن المعادلة انقلبت؛ فبدلاً من أن تظل غزة هي المحاصرة، تبدو إسرائيل اليوم وكأنها من يرزح تحت حصار دولي خانق، لم تشهد مثيلاً له منذ تأسيسها قبل 76 عامًا.
فمع اشتداد الأزمة الإنسانية في القطاع، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، انقلب المزاج الدولي تجاه إسرائيل، وتحوّلت الإدانات إلى خطوات عملية من المقاطعة والعقوبات، تشبه إلى حد كبير ما واجهته جنوب إفريقيا إبان حقبة الفصل العنصري.

عزلة سياسية.. وتحقيقات في "الإبادة الجماعية"
بحسب تقرير لشبكة CNN الأمريكية، لم تعد الانتقادات الدولية لإسرائيل مجرد بيانات، بل تصاعدت إلى قرارات رسمية وتحقيقات دولية تتهمها بارتكاب جرائم إبادة جماعية، أبرزها تقرير لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة، والذي خلُص إلى أن إسرائيل ارتكبت أعمال إبادة بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة.
وترافق هذا مع تحركات حثيثة من المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما قيد من حركته الخارجية، ودفعه إلى تغيير مسار رحلته إلى نيويورك، متجنبًا الأجواء الفرنسية والإسبانية.
كما شهدت كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة انسحاب أكثر من 70 وفدًا، في مشهد رمزي لعزلته المتزايدة.
تحول دراماتيكي في موقف حلفاء إسرائيل
التحوّل الأبرز جاء من داخل البيت الحليف: الولايات المتحدة الأمريكية. ففي تصريحات جريئة، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن الدعم الأمريكي لإسرائيل يتراجع بشكل مقلق، مضيفًا: "إسرائيل فقدت سيطرتها على الكونغرس، وهذا لم يكن ليحدث قبل 15 عاماً". وأشار إلى أن تل أبيب تخسر الحرب الإعلامية، وأن هذا التراجع في الدعم الشعبي قد يُفقدها امتيازاتها داخل واشنطن.
وفي السياق ذاته، أظهرت استطلاعات رأي نشرتها "واشنطن بوست" أن أغلبية الناخبين الأميركيين يعارضون تقديم مساعدات جديدة لإسرائيل، في تحول كبير عن المواقف التقليدية المؤيدة للدولة العبرية.
من المقاطعة الاقتصادية إلى العقوبات الرسمية
على الصعيد الأوروبي، بدأت العزلة الاقتصادية تأخذ شكلاً ملموسًا. فقد اقترح الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لإسرائيل، تعليق اتفاقية التجارة الحرة الموقعة معها جزئيًا، بانتظار موافقة الدول الأعضاء.
كما أعلنت دول مثل النرويج، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة عن عقوبات أو قيود على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، أو ضد أفراد ومؤسسات مرتبطة بانتهاكات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ولم يكن قرار صندوق الثروة السيادية النرويجي - الأكبر في العالم - ببيع استثماراته في إسرائيل بسبب "الانتهاكات في غزة" إلا مؤشراً إضافياً على مدى تدهور صورة إسرائيل اقتصاديًا.
"صدى العزلة" في تل أبيب
هذه التطورات دفعت حتى المسؤولين الإسرائيليين إلى الإقرار بحجم التحدي. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، قال نتنياهو: "نحن نواجه نوعًا من العزلة قد يستمر لسنوات... ولا خيار أمامنا سوى الاعتماد على أنفسنا".
اعترافات متتالية بدولة فلسطين
على الصعيد الدبلوماسي، تلقت إسرائيل صفعة مدوية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، عندما اعترفت عدة دول غربية كبرى، بينها كندا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، بدولة فلسطين، في خطوة تمثل تآكلاً واضحًا للدعم الغربي التقليدي لإسرائيل.
كما أظهر تحليل أعدّه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن الدول التي لطالما ساندت إسرائيل بدأت تغيّر من نهجها، وتميل إلى مواقف أكثر توازنًا، أو حتى معارضة لسياسات الاحتلال.
الفن والرياضة والإعلام.. مظاهر جديدة للعزلة
العزلة الإسرائيلية لم تقتصر على السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى مجال الثقافة والرياضة، إذ أعلنت هيئات بث في دول أوروبية مثل إيرلندا، هولندا، وإسبانيا نيتها مقاطعة مسابقة يوروفيجن 2026 إذا شاركت إسرائيل.
كما أصدر آلاف من نجوم هوليوود، من بينهم إيما ستون وأوليفيا كولمان وأندرو غارفيلد، تعهدًا بعدم التعاون مع أي مؤسسة إسرائيلية تشارك في "الإبادة الجماعية والفصل العنصري"، على حد وصفهم.
أما في الرياضة، فقد أُلغي سباق دراجات في إسبانيا بعد احتجاجات على مشاركة فريق "إسرائيل بريمير تيك"، فيما مُنع لاعبو الشطرنج الإسرائيليون من التنافس تحت علمهم الوطني. وأشارت تقارير إلى احتمال تجميد عضوية إسرائيل في مسابقات كرة القدم الأوروبية، بسبب الضغوط المتصاعدة من الجماهير والمؤسسات.
إلى أين تتجه إسرائيل؟
مع دخول الحرب عامها الثاني، يبدو أن الكلفة الاستراتيجية لإسرائيل باتت تتجاوز بكثير المكاسب العسكرية المزعومة. فالمواجهة في غزة لم تعد مع الفصائل المسلحة فقط، بل مع الرأي العام العالمي، والمؤسسات الدولية، وحتى الحلفاء التقليديين.
وقد لا تكون "عزلة إسرائيل" مجرد مرحلة عابرة، بل تحوّلًا هيكليًا في مكانتها الدولية، في ظل تزايد الأصوات المطالبة بوقف الحرب، والاعتراف بدولة فلسطين، وإعادة النظر في التحالفات القديمة.
في هذا السياق، يُطرح السؤال الكبير: هل تتحمل إسرائيل تكلفة هذه العزلة لعقود قادمة، أم تُضطر إلى إعادة تموضع استراتيجي يُنهي الحرب ويعيدها إلى طاولة التفاوض؟
ويبقى الجواب معلقًا بين سطور الحرب التي لم تنتهِ بعد، وسطور القرارات الدولية التي بدأت تُكتب بلغة مختلفة.



