بين تفاؤل ترامب ومخاوف أوروبا وأوكرانيا.. هل يطفئ جليد ألاسكا نار الحرب؟
تستعد روسيا والولايات المتحدة للقاء مصيري في مدينة أنكوريج بولاية ألاسكا، في أول قمة علنية بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب منذ عام 2021. لكن التوتر يسيطر على المشهد الدولي، وسط خشية أوكرانيا ودول أوروبا من أن يكون اللقاء بمثابة إقصاء وتشريع لمحاصرة سيادة كييف.

خطاب ترامب: تمهيد للمصالحة أم الانصياع الضروري؟
أبدى الرئيس ترامب تفاؤله قائلاً: "أعتقد أن بوتين سيحقق السلام، وكذلك زيلينسكي." ووصف القمة بأنها مجرد لقاء تمهيدي، متوقعاً اجتماعًا ثانياً قد يضم الرئيس الأوكراني في المستقبل، ربما إلى جانب قادة أوروبيين.وقال: "لن أتفاوض على الاتفاقات بأنفسهم... هذه لعبة شطرنج"، وألمح لاحتمالات لتنازلات حدودية، واعتبر الاحتمال الأكبر أن الاجتماع الثاني هو الأكثر أهمية.
كما هدد روسيا بـ"عواقب وخيمة" في حال رفض بوتين وقف إطلاق النار، ملوِّحًا بفرض عقوبات جديدة.
بوتين: يروّض الأزمة.. ويكشف عن ملفات استراتيجية
من جانبه، وصف بوتين جهود واشنطن بأنها "جادة وصادقة" لابتكار حلول للسلام، معلناً أن قمة ألاسكا قد تفتح الباب أمام اتفاقات في مجال التحكم بالأسلحة الاستراتيجية، وفي تحقيق علاقات اقتصادية أوسع بين البلدين. وأشار مساعد في الكرملين إلى أن بوتين يهدف لصرف تركيز ترامب عن أوكرانيا عبر فتح ابواب الحوار النووي والتجاري. وفي السياق، قال مسؤول شرقي كبير إنه يأمل فقط ألا يُخدع ترامب من قبل روسيا.
أوكرانيا وأوروبا: خارج الطاولة.. فهل يكون القرار من دونهم؟
أثار عدم دعوة الرئيس زيلينسكي وغير الأوروبيين قلقًا واسعًا. وصف زيلينسكي أي اتفاق يتجاهل أوكرانيا بأنه "أقل من أن يُولد حيًا"، ومطالباته كانت واضحة: "أي قرار يُتخذ بدوننا هو قرار ضد السلام نفسه.
منح الأوروبيون صوتهم الحاسم، معتبرين أن أي تسوية يجب أن يتم التفاوض عليها داخل الأطر التعاونية، وأن سيادة أوكرانيا خط أحمر. إلا أنهم يخشون أن ترامب يتجه لتقديم اتفاق مجحف لحساب المصالح الأميركية، دون اعتبار لشركائه الأوروبيي.
في رسالة مشتركة نُشرت قبل القمة، أكدت رؤساء فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، المملكة المتحدة، بولندا وفنلندا على أن "السلام لا يُبنى من دون أوكرانيا"، وأن "الحدود التي أقيمت بالقوة غير مقبولة أبدًا.
السياق الجغرافي: ألاسكا.. بين الرمز والواقع
اختيار ألاسكا كمنصة للاجتماع يحمل دلالات استراتيجية ورمزية قوية. فالولاية الأميركية كانت جزءًا من روسيا حتى منتصف القرن التاسع عشر، وربما تعكس ما يريده بوتين من مواجهة دون أن يضطر للسفر بعيدًا. كما أنها تقع جغرافيًا في ملتقى التوتر الجديد مع موسكو، مع تصاعد التوتر العسكري في القطب الشمالي والمنطقة الشمالية الغربية.
سيناريوهات القمة: أي مسار ينتظره العالم؟
1. اتفاق أميركي – روسي سريع بلا ضحايا؟
قد يتفق ترامب وبوتين على وقف إطلاق النار مقابل تنازل أميركي ضمني بأن روسيا تسيطر على مناطق دونباس وشرق أوكرانيا. سيكون ذلك إنجازًا رمزيًا لترامب وكارثة أوكرانية وسياسية لأوروبا.
2. تجميد النزاع واستنزاف أوكراني
اتفاق مؤقت يعلن وقف العمليات دون إعادة السيطرة، وتأجيل الخلاف حول الحدود لدورة قادمة. ولكن هذا يوفر لبوتين وقتًا لمزيد من التوطين العسكري، ولأوروبا وأوكرانيا فرصة التهيؤ للدور الثاني.
3. اتفاق بموافقة أوروبيّة مشروطة
إذا تم فرض شروط قاسية على ترامب من قبل الحلفاء الأوروبيين، فقد تنتهي القمة دون اتفاق، والاكتفاء ببيان دعوة لاستكمال الحوار بمقاربة تشمل أوكرانيا وقادة غربيين.
4. انهيار بسبب المواقف الصعبة
رفض روسي للتنازلات، أو إصرار أميركي على شروط صعبة، قد يؤدي إلى انهيار المحادثات، ومن شأن ذلك رفع منسوب التوتر والإجراءات العقابية.
ماذا عن الموقف الأمريكي الداخلي؟
ترامب، الذي يسعى لإعادة إحياء شعور "القائد القوي"، قد يسترعي آخر فرصة لإثبات فعاليته الدبلوماسية، خاصة في فترة ما قبل الانتخابات. لكنه إذا مضى بعقد صفقة مغامرة دون دعم حقيقي من الحلفاء، فقد يواجه انتقادات حادة.
لماذا القمة في هذا التوقيت؟
الفترة الحالية تأتي بعد تجاوز مرحلة حرجة من الحرب، ومع اقتراب اهتمام الإعلام والسياسيين من القضية. وقد تكون ألاسكا فرصة لترامب لفرض أجندته السياسية، وللبحث عن "إنجاز" قد يستخدمه كدليل قيادي في المستقبل السياسي.
السلام في قلب الجليد… أم شرارة جديدة؟
قمة ألاسكا تمثل تقاطُع المصالح بين ثلاث قوى: أميركا التي تبحث عن بصمة، روسيا التي تطمح لإضفاء شرعية لأعمالها العسكرية، وأوروبا وأوكرانيا التي يخشون أن تتحوّل مواقفهم لصفقات تجارية أو تنازلات مشبوهة.
في قلب هذا النزاع المستعر، تظل كلمتا السلام والكرامة الأوكرانية هما المقياس الحقيقي لنجاح التفاوض عالمياً. وإذا خرج الاجتماع بنتيجة ناقصة.. فقد يكون الطريق طويلاً وخطرًا نحو السلام.



