رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب.. العالم على حافة الحقيقة، عندما تسقط الأقنعة

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

في لحظة ما من عمر الحضارات تتكسر الأقنعة وتتهاوى الروايات. لم يعد من الممكن تزوير المشهد ولا إعادة تدوير الخطايا في عبوات مغلفة بورق الديمقراطية. هذا ما يعيشه العالم اليوم: عصر سقوط الأقنعة الجماعية.

كانت إسرائيل تُقدَّم للعالم منذ نشأتها على أنها واحة الديمقراطية في صحراء من القمع ، دولة صغيرة تبحث عن الأمان وسط محيط عدائي. لكن الحقيقة التي تراكمت على مدار عقود وانفجرت في الوعي العالمي بعد مشاهد غزة تقول بوضوح: نحن أمام كيان يُمارس الاحتلال لا الدفاع والتوسع لا الأمن والإبادة لا السلام.

ليست هذه مجرد أزمة سياسية بل نقطة تحوّل أخلاقية في الضمير الإنساني. ما كان يُدار في الظل صار موثقا على شاشات الهواتف. وما كانت تقوله تقارير حقوق الإنسان ويُتهم أصحابه بالمبالغة صار يُشاهده طلاب الجامعات وهم يُضربون لأنهم طالبوا بوقف تمويل المذابح.

الغرب لم يتغير فجأة لكنه استيقظ. وربما كانت أول مرة يُدرك فيها الشباب الأمريكي والأوروبي أن ما يُروَّج له في إعلامهم ليس الحقيقة. بل إن الحقيقة كما هي فاضحة إلى حد لا يمكن تبريره.

لم تعد التهمة الجاهزة بـ"معاداة السامية" تُجدي. لأن من يواجه إسرائيل اليوم ليس خصوما أيديولوجيين أو قوميين عرب بل أحرار العالم ممن قالوا لا لمشاهد الأطفال المحترقين والأحياء المُحوَّلة إلى تراب. ولم يعودوا يقبلون تبرير الوحشية بالخطابات التاريخية.

المدهش أن إسرائيل بدلا من أن تراجع نفسها اختارت أن تُسكت العالم بالقوة. تضغط على الحكومات تُهاجم المتظاهرين تُهدد الجامعات وتستعدي حتى الإعلام الحر. لكنها تفشل كل يوم. لأن قوة الصورة الآن تفوق سطوة البندقية. ولأن السردية الوحيدة التي تعيش وتنتصر هي تلك التي تتنفس الصدق.

العالم يواجه لحظة اختبار: هل ما زال الغرب هو مركز الأخلاق والحرية؟ أم أن شعاراته تنهار حين يتعلق الأمر بإسرائيل؟ هل الديمقراطية قيمة عالمية أم امتياز استعماري لا يُمنح إلا لمن يرضى عنهم البيت الأبيض؟

والمفارقة أن إسرائيل لا تدفع فقط إلى عزلة أخلاقية متزايدة ، بل تُقوّض أسس الشرعية الدولية نفسها. فمنذ متى كانت الدولة التي تُهاجم المستشفيات وتمنع الغذاء والماء وتُقصف المخيمات الآمنة تُعامل على أنها دولة "طبيعية"؟

الجنوب العالمي يرى ويحلل ويقارن. يرى كيف تُعامل أوكرانيا وكيف يُترك الفلسطينيون وحدهم. يرى كيف تُقدّس حدود البعض ويُمحى وجود الآخر. وهذا ليس مجرد انحياز في السياسة بل كشف عار لنظام عالمي متهالك يُدار بموازين القوة لا القيم.

ما نعيشه الآن هو صراع سرديات. صراع على من يملك تعريف "الضحية" و"الجلاد". وصراع بين من يُدافع عن النظام الدولي لأنه يصب في مصلحته ومن يريد إعادة صياغته ليُعبّر عن الإنسانية لا عن الهيمنة.

وفي القلب من كل هذا يقف الفلسطيني الأعزل كاشفا زيف حضارة لم تعد تملك الشجاعة للنظر في المرآة.

إن إسرائيل ليست "منبوذة" فقط.. بل أصبحت اختبارا أخلاقيا لكل دولة، ولكل مثقف، ولكل مؤسسة إعلامية. والذين صمتوا اليوم لن يكون لهم صوت غدا. لأن التاريخ لا يُسامح الجبناء.

هذا العصر لا يمنح النجاة إلا لمن يقول الحقيقة. وإسرائيل، بكل عنجهيتها، نسيت أن الكذب لا يصمد طويلًا أمام ضوء العدالة. سيسقط القناع.. وسيتكلم الضمير.

تم نسخ الرابط