شحاتة زكريا يكتب: الاستقرار.. رأس المال الجديد
في عالم يتقلب على جمر الأزمات أصبحت بعض المفاهيم القديمة أكثر ندرة من المعادن النفيسة، لم تعد القوة العسكرية أو الوفرة النفطية أو حتى الوفاق السياسي وحدها هي المفاتيح الذهبية لصناعة النفوذ، بل ظهر مفهوم جديد يفرض نفسه على طاولات الاستراتيجيات الدولية: الاستقرار.
والاستقرار – كما تُجسده التجربة المصرية اليوم – ليس مجرد غياب للفوضى أو توقف طارئ للاضطرابات، بل هو بناءٌ طويل المدى، تُرصّ لبناته بالتضحيات ويُصان بالوعى الجمعى، ويُدار بعقلية تعرف أين تقف وإلى أين تريد أن تذهب.
وننظر إلى خريطة الإقليم نجد أن فكرة "البلد الهادئ" أصبحت استثناء لا قاعدة. دول غنية تتآكلها صراعات داخلية، ودول محورية تقف على أطراف الحروب وأخرى غارقة فى نزيف التفكك. وسط هذا كله وقفت مصر – التى عرفت مرارة الانهيار وتكلفة الفوضى – كجدار استنادي للمنطقة وكمركز ثقل يزداد تأثيرا كلما تراجعت القوى من حوله.
منذ 2013 اختارت مصر طريقا بدا شاقا على المستوى الداخلى ، وصعبا فى توازناته الخارجية: أن تُعيد ترميم بنيتها السياسية والأمنية والاجتماعية ثم تشرع فى معركة البناء والإصلاح والتنمية متسلّحة فقط بشعب قرر ألا يعود إلى الوراء، وبرئيس يعرف أن أخطر المعارك هى تلك التى تُخاض من أجل تثبيت الدولة.
ولأن البناء لا يُؤتى أُكله فى بيئة مرتعشة فقد كان الهدف الأول هو ترسيخ فكرة الدولة نفسها: بهيبتها، بقانونها، بمؤسساتها، بإرادتها فى فرض النظام واستعادة الثقة. وهكذا لم يعد الاستقرار هدفا منشودا فقط، بل أصبح استراتيجية تحرك السياسة وتوجّه الاقتصاد ، وتؤسس لمسار طويل الأمد من التنمية.
الاستثمار فى مصر اليوم ليس مجرد أرقام وفرص مالية بل هو رهان على بلد استطاع أن يُشيّد بنيانا صلبا وسط عالم يتهدّم، وعى المستثمرين لا يذهب فقط إلى معدلات النمو أو مشروعات البنية التحتية أو إصلاحات الطاقة والنقل والزراعة بل إلى ذلك العنصر الخفى الذى لا يُقاس بالأرقام: ثبات الدولة.
فى حديثه الأخير مع وفد رجال الأعمال الأمريكيين لم يكتفِ الرئيس عبدالفتاح السيسى بعرض المشروعات أو تكرار أرقام الإنجاز، بل وضع يده على الجوهر: “الاستقرار السياسى والمجتمعى والوعى الحقيقى لدى الشعب هو رأس المال الأهم لمصر الآن”، لقد تحوّل الاستقرار إلى عملة صعبة تُسعّر بها فرص الاستثمار، وتُقاس بها قدرة الدول على البقاء والتقدم.
المفارقة أن هذا الاستقرار لم يتحقق بصفقة سياسية ولا بانحناءة لأحد بل بإرادة ذاتية، وشراكة فريدة بين الدولة وشعبها، ففى الوقت الذى راهن فيه البعض على سقوط مصر، راهنت مصر على نفسها، وكسبت الرهان.
اليوم باتت القاهرة نقطة توازن إقليمى ومحورا فى حل كثير من النزاعات وموقعًا موثوقا على خريطة التحالفات الدولية، ليس لأنها الأقوى عسكريا ، ولا الأغنى موارد ، ولكن لأنها – ببساطة – الأكثر ثباتا على الأرض.
الاستقرار فى زمن الانكشاف هو أعظم ما تمتلكه الدول. ومصر التى عرفت كيف تحميه وتصنع منه مشروعا حضاريا، تعرف أيضا كيف تترجمه إلى دبلوماسية مؤثرة ، وقوة جذب حقيقية وصوت يُصغى إليه فى زمن صاخب.
