رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: بعد سنوات من الإصلاح.. هل اقتربت لحظة قطف الثمار؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

منذ ما يقرب من عقد من الزمان دخلت مصر مسارًا اقتصاديًا محفوفًا بالتحديات تحت لافتة "الإصلاح الشامل"، بدءً من تحرير سعر الصرف في 2016 مرورًا بإعادة هيكلة منظومة الدعم وتوسيع قاعدة التحصيل الضريبي، وصولًا إلى إطلاق مشروعات قومية ضخمة وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق.. كل ذلك جرى وسط ظروف إقليمية ملتهبة وجائحة عالمية عصفت بالاقتصادات الكبرى، ثم حرب أوكرانيا التي أعادت تشكيل خريطة الغذاء والطاقة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل بدأ المصريون يلمسون ثمار هذا الإصلاح؟ أم ما زال الطريق طويلًا ومُكلفًا؟، الإجابة ليست أحادية لأن الإصلاح الاقتصادي في جوهره عملية طويلة ومعقدة تتطلب صبرًا استراتيجيًا وتوازيًا بين الأهداف الكلية والعدالة الاجتماعية. 

وقد نجحت الدولة المصرية في إنقاذ الاقتصاد من شبح الانهيار وأعادت بناء احتياطي نقدي قوي، وفتحت أبواب الاستثمار ووسّعت من شبكة الحماية الاجتماعية لا سيما في برامج مثل "تكافل وكرامة"، ومعاشات العمالة غير المنتظمة ومبادرات حياة كريمة.

لكن بالمقابل ارتفعت كلفة المعيشة على المواطن، وتراجعت القوة الشرائية للطبقة المتوسطة وظهرت شروخ واضحة في علاقة الناس بالأسعار والرواتب، حيث لم تواكب الأجور القفزات التضخمية المتلاحقة وظلت الدخول الحقيقية تحت ضغط دائم.

وهنا تظهر المعضلة الأخلاقية والسياسية للإصلاح: هل يكفي أن تحقق الدولة أرقاما قوية في التقارير الدولية إذا لم يشعر المواطن بأن حياته اليومية قد تحسنت؟، وهل يُقاس النجاح في المؤشرات فقط، أم في جودة التعليم ومتانة النظام الصحي وفرص العمل المنتجة والسكن الآمن واستقرار الأسعار؟.

لقد أصبح واضحًا أن الدولة بدأت تُدرك هذا التحدي، وتسعى لتصحيح المسار في عدة اتجاهات: أولها التوسع في المشروعات الإنتاجية والزراعية والصناعية، بدلًا من الاقتصار على مشروعات البنية التحتية، وثانيها تقليص دور الدولة في بعض القطاعات لصالح القطاع الخاص عبر وثيقة سياسة ملكية الدولة وهو تحول نوعي طال انتظاره، وثالثها فتح أبواب التملك للأجانب والمصريين في الخارج لدعم العملة الوطنية وتحفيز الاستثمار العقاري والسياحي وهو مسار يحمل فرصًا كبيرة لكنه يتطلب توازنًا بين العائد الاقتصادي والبعد الاجتماعي.

لكن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل دون أمرين: أولهما شفافية التواصل مع الناس أي مصارحتهم بالحقائق والأرقام، وتفسير القرارات بوضوح بعيدا عن لغة التبرير أو الإنكار، وثانيهما عدالة التوزيع بمعنى أن يشعر المواطن البسيط بأن الدولة تقف إلى جانبه لا فوقه؛ وأن العبء موزّع بشكل عادل لا تُحمّل كلفته لمن لا يملك.

إن مصر اليوم ليست كما كانت قبل 10 سنوات هذا مؤكد، وهناك بنية تحتية أقوى وطاقة كهربائية فائضة وشبكة طرق تربط الأطراف بالمركز ومشروعات زراعية وصناعية عملاقة تغير وجه الريف، لكنّ المطلوب الآن هو أن تصل هذه التغييرات إلى المائدة اليومية للناس وأن تتحول مؤشرات الاقتصاد إلى مؤشرات رضا شعبي يشعر بها الموظف والمعلم، والعامل، وربّة المنزل.

لقد دفعت الدولة كلفة الإصلاح بشجاعة، والمواطن أيضًا تحمّل فوق طاقته، واللحظة الآن تستدعي أن نبدأ معا جني الثمار، لا بالشعارات بل بخطط واضحة تضمن تقليل الفجوة بين الطموح والواقع وبين الأرقام والوجدان، فالاقتصاد لا يعيش في الورق بل في البيوت.

تم نسخ الرابط