مها عبد القادر تكتب: يوم إفريقيا.. استراتيجية حياة
تحتفل شعوب القارة السمراء في الخامس والعشرين من مايو من كل عام بـيوم إفريقيا، إحياءً لذكرى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بحضور اثنتين وثلاثين دولة إفريقية مستقلة آنذاك، وقد اجتمعت تلك الدول على هدف نبيل تمثل في تحقيق وحدة القارة الإفريقية والدفاع عن استقلاله وصون كرامة شعوبها وترسيخ قيم التضامن والتكافل بين أبنائها، ومنذ ذلك الوقت تحول هذا اليوم إلى مناسبة قومية تستحضر فيها الشعوب الإفريقية تاريخها النضالي المجيد، وتجدد التزامها الجماعي بتحقيق تطلعاتها في الحرية والتنمية والسلام في ظل عالم متغير ملئ بالتحديات.
ويعد يوم إفريقيا مناسبة للتفكر في مسيرة قارة أثقلت لأمد طويل بأعباء الاستعمار والتقسيم والاستغلال وواجهت تحديات الفقر والصراعات والتخلف؛ لكنها لم تنكسر ونهضت من المعاناة، لتعلن إرادتها في صنع مستقبل يليق بتاريخها العريق وإنسانها الكفوء، إنها لحظة تستحضر فيها الشعوب الإفريقية، على اختلاف لغاتها وأعراقها وثقافاتها، ما يجمعها من تاريخ نضالي مشترك من أجل التحرر والكرامة، وهي مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتحويل هذا التاريخ إلى مشروع وحدة عملي يثمر سلامًا دائمًا وعدالة منصفة وتقدمًا ملموسًا يليق بتضحيات الأجداد وتطلعات الأجيال القادمة.
ولقد شكلت منظمة الوحدة الإفريقية أول مؤسسة قارية أفريقية تسعى إلى لم شتات الدول الإفريقية حديثة الاستقلال، ووضع إطار للتعاون السياسي والاقتصادي، والتنسيق في المحافل الدولية للدفاع عن قضايا القارة، ورغم ما واجهته المنظمة من تحديات، سواء بسبب النزاعات بين بعض أعضائها، أو محدودية أدواتها في التدخل الحاسم بالأزمات، فإنها أرست مبدأً بالغ الأهمية، أن إفريقيا يجب أن تُحكم بأيدي أبنائها، وأن قضاياها ينبغي أن تُحل بروح إفريقية خالصة بعيدًا عن الهيمنة الخارجية، وقد ظل هذا المبدأ حجر الزاوية في مسيرة القارة، حتى تطورت المنظمة في عام 2002 لتصبح الاتحاد الإفريقي، في خطوة طموحة تعكس وعي القادة الأفارقة بحتمية تحديث آليات التعاون القاري، وتوسيعها لتشمل مجالات جديدة كالتنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان، وتفعيل آليات السلم والأمن.
ويشمل الحديث عن الوحدة الإفريقية مفهوم التضامن بين شعوب القارة فالوحدة أضحت ضرورة تفرضها التحديات المشتركة التي تواجهها إفريقيا في العصر الحديث، بدءًا من الإرهاب والصراعات المسلحة، مرورًا بالتغير المناخي والهشاشة الاقتصادية، وصولًا إلى تذبذب الأمن الغذائي، وتقتضي مواجهة هذه التحديات شراكات حقيقية وتنسيقًا إقليميًا فاعلًا، يُعلي من مصلحة الشعوب، ويُخرج العمل الإفريقي من دائرة الخطابات إلى ميادين الفعل والتأثير، فالتضامن ركيزة استراتيجية تتجلى في تبادل الخبرات في التعليم والصحة وبناء استثمارات بينية واقتصادية عادلة وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود؛ لتغدو إفريقيا كتلة متماسكة، قادرة على التفاوض بندية مع القوى العالمية، وصياغة مستقبلها بشروطها، وبما يليق بثرواتها وإمكاناتها وكرامة شعوبها.
ويشكل البعد الثقافي أحد الركائز الأساسية في الاحتفال بيوم إفريقيا، إذ تتميز القارة الإفريقية بتنوع حضاري هائل يمتد من اللغات المحلية إلى الفنون والموسيقى والعادات الاجتماعية، وهذا التنوع ينبغي أن يُعاد تأطيره كمصدر قوة ثري، وأساس لبناء هوية قارية جامعة، فالثقافة قادرة على ترسيخ الانتماء الجماعي والمصير المشترك خاصة لدى الأجيال الشابة، من خلال إبراز الإبداعات الإفريقية وتبادلها بين شعوب القارة من شأنه أن يعزز من صورة القارة على المستوى العالمي بوصفها موطنًا للغنى الإنساني والابتكار الثقافي.
ويشكل يوم إفريقيا دعوة مفتوحة لأبناء القارة للتأمل في الحاضر، وإعادة رسم ملامح المستقبل، بعيدًا عن الانقسامات المفتعلة والصراعات العبثية التي أنهكت المجتمعات وأعاقت الجعود التنموية، إنه تجديد للعهد مع المبادئ التي قامت عليها منظمة الوحدة الإفريقية، وفي مقدمتها الوحدة، والتحرر، والتضامن، ونداءً صادقًا لتنمية الوعي الجمعي، والانخراط الفاعل في بناء مؤسسات قارية قوية، ترتكز إلى قيم العدالة والمساواة، وتُفسح المجال أمام جميع مكونات المجتمع، خاصة الشباب والنساء ليكونوا شركاء حقيقيين في صياغة السياسات وصنع واتخاذ القرار، وضمان استدامة التحول الديمقراطي والتنمية الشاملة.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يمكن أن تضطلع به الدول الإفريقية في النظام العالمي الجديد، حيث تشهد الساحة الدولية تحولات جيوسياسية كبرى وتعددًا في مراكز النفوذ، مما يمنح القارة الإفريقية فرصة تاريخية لإعادة تموضعها كلاعب فاعل على الصعيد الدولي حيث تمتلك إفريقيا اليوم من المقومات ما يؤهلها لتعزيز مكانتها العالمية، شريطة أن تتحدث بصوت موحد، وتُحسن إدارة مواردها الطبيعية الهائلة، وتبني شراكاتها وتحالفاتها على أسس من الندية والمصالح المتبادلة، وفي هذا السياق يبرز دور الاتحاد الإفريقي كإطار جامع قادر على تنسيق السياسات القارية، وصياغة مواقف موحدة، والدفاع عن قضايا القارة في المحافل الدولية، بما يُعيد الاعتبار لصوت إفريقيا، ويؤسس لحقها المشروع في أن تكون جزءًا من صناعة القرارات الكونية.
ويمثل يوم إفريقيا استراتيجية حياة مستدامة لقارة تنفض عنها غبار التمزق والتدخل، وتتهيأ لصناعة مصيرها بوعي وإرادة، حيث عانت إفريقيا طويلًا من الاستعمار والتقسيم والتهميش، لكن اليوم تلوح في الأفق فرصة تاريخية حقيقية، تُمكنها من أن تنهض بذاتها، وتعيد كتابة تاريخها من منظورها الخاص، وبأقلام أبنائها، إن يوم إفريقيا هو إعلان متجدد عن طموح جماعي يؤسس للوعي الجمعي وواقع قاري جديد قوامه السيادة على القرار، والإيمان بوحدة المصير، والاستثمار في الإنسان ودعوة إلى العمل المشترك، وتوحيد الطاقات من أجل تحقيق تنمية شاملة وعدالة منصفة وسلام دائم.
ونؤكد أن هذا الحلم الإفريقي لن يتحقق إلا بإرادة واعية، وعمل دؤوب، وإيمان راسخ بأن ما يجمع شعوب القارة أكبر بكثير مما يفرقها؛ وأن المستقبل يُصنع هنا والآن بعقول أبنائها، وسواعد شبابها، وإرادة أجيالها الصاعدة، فإفريقيا، التي دفعت ثمناً باهظاً في مسيرتها، تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتكتب مصيرها بأيديها، وتصوغ نهضتها بمعاييرها، وتقدم للعالم نموذجاً في التحرر الحقيقي والتنمية المستدامة والسيادة الأصيلة.
