مي المرسي تكتب.. عادل إمام الزعامة في مرايا الضحك والمواجهة
في ذاكرة الفن العربي، ثمة أسماء لا تنحني لعوامل الزمن، ولا تذوب في تبدلات الذائقة، تخترق العصور وتؤسس لمدارات جديدة من الإدراك الجمالي والوجداني. وعادل إمام، بما له وما عليه، يتربّع على تلك الذاكرة لا بوصفه مجرد فنان أو نجم، بل كظاهرة متكاملة إنسانية وفنية، امتد حضورها لأكثر من نصف قرن، لم يكن خلالها ممثلًا يؤدي أدوارًا، بل كان صوتًا ساخرًا لجيل بأكمله، ومرآة تعكس تناقضات المجتمع، وعقلًا وعي خطورة موقعه، فحوّله إلى منبر للمشاكسة الذكية، وميدان لفضح المسكوت عنه، وأداة لتحريك الركود المتجذر في الوعي الجمعي.
لم تكن مسيرة عادل إمام مجرد صعود نجم بدأ بالكوميديا وانتهى بـ"الزعامة". بل كانت مسيرة وعي، تجلّى فيها الفن بوصفه فعلاً اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا معقّدًا، يتجاوز السخرية والإضحاك إلى نقد البنى السلطوية، سواء تمثلت في الدين أو الدولة أو حتى الجماهير ذاتها.
يُساء في كثير من الأحيان فهم الكوميديا في السياق العربي، وتُختزل في كونها فنًّا ترفيهيًّا يهدف إلى التسلية. غير أن ما قدّمه عادل إمام على مدار عقود ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ"الكوميديا المقاومة"، ذلك النمط الذي يتوسّل الضحك لتفكيك الخوف، ويواجه التابوهات بسلاح السخرية. لقد كانت الكوميديا في مشروعه الفني وسيلة لفهم المجتمع وفضح تناقضاته، ومناورة السلطة دون الاصطدام المباشر بها.
ففي "الإرهابي" (1994) واجه الجماعات المتطرفة بمنطق السخرية لا الوعظ. وفي "طيور الظلام" (1995) فضح التحالف الكارثي بين المال والسلطة والدين، لا بمنطق الشعارات، بل بلغة المسرح السياسي المقنّعة بسرد ساخر. وفي "الإرهاب والكباب"، قدّم صورة المواطن المسحوق داخل دوّامة البيروقراطية القاتلة، وجعل من احتلال مجمع التحرير ثورة رمزية على انسداد الأفق.
ورغم هذه القدرة على التعبير عن نبض الشارع، تأخر تكريم الدولة لعادل إمام. لم يحصل على جائزة الدولة التقديرية إلا في سنواته الأخيرة، ما يعكس علاقة شائكة بينه وبين مؤسسات الحكم. لم يكن خصمًا لها، لكنه لم يكن تابعًا أيضًا. لعب على حافة المقبول، وتجاوز الخطوط أحيانًا بخفة دم، وليس بصرخة أيديولوجية. فهو الفنان الذي "أزعج السلطة وهو يضحك"، كما وصفه البعض، وتلك معادلة نادرة في تاريخ الفن العربي.
كما لم يكن عادل إمام منخرطًا في معسكرات المعارضة أو مؤتمرات المثقفين، لكنه أدّى دورًا سياسيًا بامتياز عبر الشاشة. أدرك أن الكاميرا قد تكون أخطر من الميكروفون، وأن الضحك، حين يُوظّف بدقة، قد يصيب الهدف أسرع من الخطابة.
لكن لا يمكن الحديث عن عادل إمام دون التوقّف عند التناقضات التي صاحبت مسيرته. فقد اتُّهم أحيانًا بإعادة إنتاج السلطة الاجتماعية التي يدّعي مقاومتها، خاصة في أعمال كرّست صورًا نمطية عن النساء، أو سخرت من الفقراء بشكل سطحي. كما لم تكن علاقته بالمهمّشين دائمًا نقيّة؛ إذ انتُقد لاختزال قضاياهم في قوالب ساخرة أحيانًا.
ومع ذلك، فإن هذه التناقضات، في ذاتها، تحمل دلالة مهمة، وهي أن الرجل لم يكن أداة بيد أحد، بل فنانًا يحاول أن يعبّر عن الواقع بكل ما فيه من تعقيد. لم يُقدّم نفسه كمناضل، ولم يدّعِ الطهارة الثورية، بل تعامل مع الفن كمهنة تتطلّب ذكاءً اجتماعيًا وقدرة على التفاوض بين الجمال والموقف، بين السوق والرسالة.
وربما لم يكن عادل إمام ثائرًا، لكنه أدّى دور "الزعيم" بمعناه الرمزي. ليس الزعيم السياسي، بل الفنان الذي يحتشد حوله الناس، لأنه يشبههم، ويخاطبهم، ويجعلهم يضحكون ويبكون في آن. لم يكن "نخبويًا" من أولئك الذين يحتقرون جمهورهم، بل ظلّ ابن الشارع، حتى حين وقف على خشبات كبرى المسارح. جمع بين الشعبية والفكر، بين الإفيه الساخر والتعليق الاجتماعي الذكي، وهو ما جعله حالة يصعب استنساخها.
ولعلّ أكثر ما يلفت في مسيرته، هو تلك القدرة على التحايل على الخوف. في زمن تغوّلت فيه الأنظمة وتوحّشت فيه الجماعات، كان عادل إمام يقدم الضحك كنوع من المقاومة الهادئة. لا يسخر من السلطة، بل منها وفيها، يجعلها تضحك على نفسها، فتخفت قبضتها قليلاً، ولو لحظة.
قد يرى البعض أن عادل إمام لم يكن فنانًا ملتزمًا، أو أنه لم يحمل مشروعًا أيديولوجيًا واضحًا. لكن الحقيقة أن مشروعه كان أعمق من الشعارات؛ مشروع يطرح سؤالًا بسيطًا ومعقدًا في آن، كيف تضحك وأنت مقهور؟ كيف تصنع البهجة في زمن القهر؟ وكيف تبقى نجمًا شعبيًا، دون أن تفقد ذكاءك أو استقلالك؟
عادل إمام لم يكن ملاكًا، ولم يكن شيطانًا. كان ببساطة "وجه الشعب" حين يضحك، "صوته" حين يسخر، و"أسئلته" حين تتوه. وقد يكون هذا – في نهاية المطاف – أصدق أشكال الزعامة.