رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: الاقتصاد تحت القصف.. وطن يبحث عن توازن بين السوق والقيم

شحاته زكريا
شحاته زكريا

لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح فقط بل صار للاقتصاد ساحاته ومعاركه وأسلحته الناعمة. وفى زمن مضطرب كهذا يغدو الاقتصاد واحدا من أهم أدوات الصمود الوطنى وربما أكثرها حساسية وتأثيرا على حياة المواطن واستقرار المجتمع.

ما بين التحولات العالمية السريعة والأزمات المتلاحقة من الجائحة إلى الحروب ، وجد الاقتصاد المصرى نفسه تحت ضغط مزدوج: من الخارج الذى لا يرحم ومن الداخل الذى يُطالب بالعدالة والاستقرار. وبين هذا وذاك تبرز معضلة حقيقية: كيف نوازن بين ضرورات السوق واحتياجات الإنسان؟ كيف نحافظ على الانفتاح الاقتصادى دون التفريط فى البُعد الاجتماعى؟ وكيف نُلبى شروط التنمية دون أن نتجاهل شروط الكرامة؟

من المؤكد أن الدولة المصرية خلال السنوات الماضية خاضت تحديات جسيمة ، وسعت إلى إصلاحات هيكلية عميقة لم يكن منها مفر. وتم تنفيذ خطوات كبيرة فى البنية التحتية ومشروعات قومية رسخت لفكرة الدولة القادرة على الإنجاز. غير أن التحدى الأكبر يظل فى كيفية توصيل أثر تلك الإنجازات إلى المواطن العادى فى قوته اليومى وفرصه، وثقته.

حين يُدار الاقتصاد وفق منطق الأسواق فقط قد تتحسن المؤشرات لكن تضعف القدرة على حماية الفئات الهشة. والعكس صحيح: حين تغيب آليات السوق يتراجع الاستثمار وتتآكل القدرة على النمو. والحل لا يكون برفض أحد الخيارين بل فى صيغة وطنية متوازنة تمزج بين كفاءة السوق وعدالة الدولة.

التجارب الدولية الناجحة لم تفصل الاقتصاد عن الإنسان ولم تَبنِ النمو على حساب الثقة المجتمعية. نحن بحاجة إلى نموذج اقتصادى يُعيد الاعتبار للمواطن ، ويجعل من العدالة ركيزة لا هامشا.

من المهم ألا تكون معادلة الاقتصاد مفصولة عن البعد الثقافى والاجتماعى. فالاقتصاد فى جوهره ليس أرقاما أو جداول بل منظومة تعكس فلسفة الدولة وخياراتها فى توزيع الثروة ، وتعاملها مع الأزمات وموقفها من الطبقة الوسطى.

ومع تصاعد الضغوط العالمية يصبح من الضرورى أن نُعيد التأكيد على البُعد الإنسانى للسياسات الاقتصادية ، وأن تُصبح العدالة الاجتماعية جزءا لا يتجزأ من خطة النمو. فالمواطن الذى يتحمل تكاليف الإصلاح يستحق أن يرى عوائده لا أن يُطلب منه مزيدا من الصبر دون أفق واضح.

ولا شك أن الدولة تدرك هذا التحدى وتسعى لمواجهته من خلال برامج الحماية الاجتماعية وتكثيف الاستثمارات الإنتاجية وتشجيع القطاع الخاص. وهو توجه يستحق الدعم والتطوير بشرط إدارته بشفافية وكفاءة ومشاركة مجتمعية حقيقية.

إن ما نحتاج إليه ليس فقط إصلاح الاقتصاد بل إعادة تعريفه كمشروع وطنى جامع يُعيد بناء الثقة ويمنح المواطن شعورا بالمشاركة لا التهميش. ففى النهاية لا يُقاس نجاح الاقتصاد فقط بالناتج المحلى أو الاحتياطى النقدى ، بل بما يتركه من أثر ملموس فى حياة الناس ووجدانهم.

الاقتصاد لا يمكن أن يكون حربا يخوضها المواطن وحده بل جبهة مشتركة تنتصر فيها القيم كما تنتصر فيها الأرقام. وهنا يكمن جوهر المعركة: أن نبنى وطنا قويا، لا فقط بأسواقه، بل بقيمه وعدالته ومواطنيه.

تم نسخ الرابط