شحاتة زكريا يكتب: مصر.. حين تتكلم الجينات
فى زمن تُباع فيه الأوطان على موائد المصالح وتُكسر فيه الأعلام فى صالات الانتظار تبقى مصر واقفة كالعهد بها لا تميل مع الريح ولا تنكسر تحت الضغط. مصر ليست مجرد حدود على الخريطة لكنها جينات تسكن أبناءها تشتعل إذا اقترب الخطر وتُولد فيهم مناعة ضد الخضوع وتوقا للكرامة لا يُشترى.
المصرى لا يحتاج إلى نشيد ليشعر بوطنه ولا إلى علم مرفوع ليعرف أين يقف. الوطن يسكن جلده يجرى فى عروقه ويظهر فجأة حين يسمع كلمة تهدد الأرض أو العرض. لا يتردد، لا يتفاوض، لا يساوم. تاريخه يشهد أنه لا يبادر بعدوان لكنه لا يترك سيفه إذا فُرض القتال. لا يسعى إلى معركة لكنه لا يهرب منها إذا دق طبولها الغريب.
الذين يتوهمون أن مصر ضعيفة لا يعرفون من نحن. لم يقرأوا التاريخ جيدا أو لعله قرأه بلغة لا تعرف قيمة الأهرامات حين بُنيت قبل أن يعرف العالم معنى الدولة. لم يسمعوا هدير العبور يوم السادس من أكتوبر حين شق الجنود الماء والظلام وسقط الوهم عند أقدامهم. لم يروا جنديا مصريا وهو يربط على جرحه ويكمل المعركة كأن لا شيء حدث.
نحن لسنا نغمة نشاز فى أمة ضاعت بوصلتها. نحن الوتد الذى يربط الخيمة والحائط الأخير قبل أن تجتاح العاصفة الباقى. حين تحل الكارثة نكون أول من يُستدعى وحين يعلو الصوت الصهيونى نكون أول من يقول لا. لا للتهجير. لا للإبادة. لا للغدر باسم السلام.
مصر لم تكن يوما دولة تعتدى لكنها دائما جاهزة أن تكون الأسد الجريح إذا لزم الأمر. تحترم المعاهدات لكنها لا تنسى من يطعن فى الظهر. تنفتح على العالم لكن لا تترك بابها مفتوحا للذئاب. تعود دائما إلى شعبها فهناك يكمن القرار وهناك تُحسم المعارك الحقيقية.
لا نحتاج إلى من يُذكّرنا من نحن ففى كل شارع من شوارعنا قصة بطولة وفى كل بيت شهيد لم تُكتب مأساته بعد. نحن الذين وقفنا مع اليمن وحملنا عبء الجزائر ودفعنا من دمائنا فى فلسطين ليس منة ولا تفضلاً بل لأن الجينات تأمر ونحن نطيع.
ما يحزننا ليس أن يتآمر الغريب فهذا قدر الأوطان الكبيرة لكن أن يصمت القريب أو يتواطأ من ظنناهم أشقاء. المؤلم ألا تجد من يسمع نداء العقل حين يصرخ من مصر وألا ترى من يشاركك الدفاع عن الحق حين يقف الشر عاريًا فى وضح النهار.
هم يظنون أن مصر وحدها لكن مصر حين تكون وحدها تُشعل نارا تحرق كل من راهن على ضعفها. ليست بحاجة إلى حلف ففى صوتها وحده رنين التاريخ وفى وقفتها وحدها تتوارى الأمم التى اعتادت أن تنحنى.
فليقل من شاء ما يشاء وليرسم الطامعون خرائطهم على الرمال. الأرض تعرف أصحابها، والهوية لا تُسرق من جينات، والشمس لا تُحجب بغربال. مصر هنا وستبقى. لا تنتظر شهادة من أحد ولا تحتاج إلى تصفيق جمهور. يكفيها أن تنظر فى عين ابنها فتقرأ فيها كل ما يلزم من الولاء والعزة والاستعداد للفداء.
وحين يأتى يوم الحساب سيعرف الذين ظلموا أن المصري لا ينسى ولا يغفر فى حق الوطن ولا يفرط فى شبر ولا يسمح لمحتل أن ينام مطمئنًا. نحن من قهرنا الطغاة وسنظل ننتصر... ولو بعد حين.
