رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب :الوعى الاجتماعى.. خط الدفاع الأول فى زمن السيولة الثقافية

شحاته زكريا
شحاته زكريا

فى زمن تتسارع فيه التحولات وتتلاشى فيه الحدود بين الثقافات، لم يعد الوعى ترفًا فكريًا أو شعارًا إنشائيًا يُردد فى المناسبات بل صار ضرورة وجودية تحمى المجتمع من الذوبان فى ركام المتغيرات. نعيش اليوم عصر "السيولة الثقافية"، حيث تتبدل القيم وتُعاد صياغة المفاهيم تحت ضغط الحداثة الرقمية وهو ما يستدعى إعادة بناء وعينا الجمعى على أسس صلبة تُمكّننا من مواجهة هذه التحديات.

تبدأ أزمة الوعى من الخلل فى المنظومة القيمية داخل الأسرة ، تلك الوحدة الاجتماعية الأولى التى باتت تعانى من تفكك خفى ، تارة باسم الحرية وتارة بدعوى مواكبة العصر. لم تعد العلاقات الأسرية تُبنى على الحوار والتفاهم بقدر ما تُدار بردود الأفعال و"التريندات"، وسط طغيان "السوشيال ميديا" التى أعادت تشكيل الخصوصية فصارت أدق تفاصيل البيت مشاعا للمتابعين. هنا تتسلل منظومات قيمية دخيلة تنفصل عن السياق الثقافى المحلى ، وتبدأ بتفكيك البنية الاجتماعية تدريجيًا.

ولعل من أخطر نتائج غياب الوعى تسلل أفكار فردانية متطرفة تحل محل القيم التشاركية. يتحول الفرد من عنصر فاعل فى مجتمعه إلى "كائن رقمى" منعزل ، يستهلك المحتوى دون فلترة ، ويتبنى آراء دون تحقق. وهنا يظهر سؤال جوهرى: من أين يبدأ الإصلاح؟

الإجابة تبدأ من التعليم ليس بمعناه الضيق القائم على الحفظ والتلقين بل بمعناه الحقيقى كمنظومة لإنتاج الإنسان الواعى. يجب أن تكون المدرسة مؤسسة لتكوين العقل والوجدان لا مجرد معبر إلى الجامعة. نحتاج إلى مناهج تُعيد الاعتبار للقيم الوطنية ، وتُعزز ثقافة التعددية والتسامح والمواطنة وتُربى الطالب على النقد لا التلقين. كما يجب إدماج الأسرة فى العملية التعليمية ، لتعود العلاقة بين البيت والمدرسة شراكة لا خصومة.

وفى ظل هذا المشهد المعقد يظهر الإعلام كأحد أخطر ساحات المعركة. إذ لا يكفى أن نُلقى باللوم على "الخوارزميات" أو "منصات التأثير"، بل لا بد من استعادة المبادرة عبر إعلام تثقيفى يُحسن مخاطبة العقول ، ويُعلى من شأن الفهم لا الإثارة. برامج توعوية حقيقية ومساحات حوارية تطرح الأسئلة الكبرى بدلا من اللهاث وراء العناوين المثيرة.

أما دور الدولة فيجب ألا يقتصر على حملات موسمية بل ينبغى أن يُدرج ملف "الوعى الاجتماعى" ضمن أولويات السياسات العامة. لماذا لا تعود بيوت الثقافة فى الأقاليم إلى الواجهة؟ ولماذا لا تُستثمر طاقات الشباب فى قوافل توعوية تجوب القرى والنجوع؟ ولماذا لا يتم دمج الإرشاد النفسى والتوجيه الاجتماعى فى كل مراحل التعليم؟

الوعى ليس شعارات تُكتب على اللافتات بل بناء طويل المدى يبدأ من الأسرة ولا ينتهى عند حدود الدولة. فى زمن الحداثة المتوحشة لا نملك ترف الانتظار. فإما أن نستعيد وعينا بقيمنا ومؤسساتنا أو نترك الفراغ يملأ العقول بما لا يُحمد عقباه.

تم نسخ الرابط