من قلب رأس غارب.. مشروع كبير يرسم ملامح مستقبل مصر الأخضر
لم تعد مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة في مصر مجرد استثمارات لإنتاج الكهرباء، بل أصبحت ركيزة استراتيجية لإعادة صياغة مستقبل الاقتصاد الوطني، وتعزيز أمن الطاقة، وجذب الاستثمارات العالمية، وخلق فرص عمل لائقة، في إطار رؤية تنموية متكاملة تستهدف بناء اقتصاد أخضر أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة.
ومن بين أبرز هذه المشروعات، يبرز مشروع "مصدر إي بي إن تك" لطاقة الرياح بمدينة رأس غارب بمحافظة البحر الأحمر، باعتباره نموذجًا عمليًا للتعاون الدولي، يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والخبرة العالمية والإرادة المصرية في تنفيذ مشروعات عملاقة تعتمد على مصادر الطاقة النظيفة.

وقد اكتسب المشروع أهمية خاصة مع الجولة الميدانية التي أجراها وزير العمل حسن رداد، يرافقه الدكتور وليد البرقي محافظ البحر الأحمر، داخل موقع المشروع، في رسالة واضحة تؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى مشروعات الطاقة المتجددة باعتبارها مشروعات تنموية متكاملة، لا تقتصر على إنتاج الكهرباء فحسب، وإنما تمتد آثارها إلى توفير فرص العمل، ورفع كفاءة العمالة الوطنية، وتعزيز معايير السلامة والصحة المهنية، وترسيخ بيئة استثمارية جاذبة.
وتأتي هذه الجولة تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي تضع التوسع في الطاقة الجديدة والمتجددة ضمن أولويات الدولة، باعتبارها أحد أهم محاور التنمية المستدامة، وأداة رئيسية لتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030، خاصة في ظل التوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات الكربونية والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة.
ويُعد مشروع "مصدر إي بي إن تك" أحد المشروعات الكبرى في مجال طاقة الرياح بمنطقة رأس غارب، وينفذ بالشراكة مع شركة "باور تشاينا" الدولية المحدودة – فرع مصر، التي تمثل واحدة من أكبر الشركات العالمية المتخصصة في تنفيذ مشروعات الطاقة والبنية التحتية.
وتعكس هذه الشراكة عمق العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية، والتي تشهد تطورًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة في العديد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الطاقة المتجددة.
ويستهدف المشروع إنتاج 200 ميجاوات من الكهرباء النظيفة، وهي قدرة إنتاجية تمثل إضافة مهمة للشبكة القومية للكهرباء، بما يعزز تنوع مصادر الطاقة ويخفض الاعتماد على الوقود التقليدي. ومن المتوقع أن ينتج المشروع نحو 800 ألف ميجاوات/ساعة من الكهرباء النظيفة سنويًا، وهي كمية تكفي لتلبية احتياجات ما يقرب من 311 ألف منزل، فضلًا عن الإسهام في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 436 ألف طن سنويًا، وهو ما يعكس البعد البيئي الكبير للمشروع، ودوره في مواجهة التغيرات المناخية.

وخلال الجولة، اطلع وزير العمل ومحافظ البحر الأحمر على مختلف مراحل التنفيذ، حيث استمعا إلى عرض تفصيلي حول نسب الإنجاز الحالية، وخطط استكمال المشروع، إلى جانب منظومة السلامة والصحة المهنية التي تطبقها الشركة داخل مواقع العمل، بما يضمن توفير أعلى مستويات الحماية للعاملين وفقًا للمعايير الدولية.
كما شملت الجولة تفقد موقع خلاطة الخرسانة، ومواقع الحفر الخاصة بقواعد توربينات الرياح، حيث انتهت بالفعل أعمال الحفر في عدد من المواقع، وبدأت عمليات صب الأساسات الخرسانية التي تمثل المرحلة الأساسية قبل تركيب الأبراج العملاقة والتوربينات، في مشهد يعكس حجم العمل الهندسي الدقيق الذي يتطلبه تنفيذ هذا النوع من المشروعات.
وتتميز منطقة رأس غارب بكونها إحدى أفضل المناطق في مصر والشرق الأوسط لإقامة مزارع الرياح، نظرًا لارتفاع متوسط سرعة الرياح وثباتها على مدار العام، وهو ما يجعلها بيئة مثالية لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بكفاءة عالية، ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة النظيفة في المنطقة.
وأكد وزير العمل، خلال لقائه بالعاملين، أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن نجاح أي مشروع اقتصادي يرتبط بوجود عمالة وطنية مؤهلة تمتلك المهارات الفنية اللازمة، وتعمل في بيئة آمنة تحفظ حقوقها وتصون كرامتها.
وأوضح أن الوزارة مستمرة في تنفيذ استراتيجية "التدريب من أجل التشغيل"، والتي تستهدف إعداد كوادر فنية قادرة على تلبية احتياجات المشروعات القومية، خاصة في القطاعات الحديثة مثل الطاقة المتجددة والصناعات التكنولوجية.
وأشار الوزير إلى أن قانون العمل الجديد يمثل نقلة نوعية في دعم الاستثمار، إذ يحقق التوازن بين حقوق العمال واحتياجات أصحاب الأعمال، ويوفر بيئة تشريعية مستقرة تشجع المستثمرين على ضخ المزيد من الاستثمارات داخل السوق المصرية، بالتوازي مع إنشاء الوحدة المركزية لتيسير أعمال المستثمرين، بما يعزز مناخ الأعمال ويرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
فيما لم تقتصر الجولة على متابعة التنفيذ، بل حملت أيضًا بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا، حيث جرى تكريم عدد من العاملين المتميزين تقديرًا لجهودهم، كما تم تكريم السيدة أمل نصر الدين، مديرة مكتب عمل رأس غارب، تقديرًا لدورها في دعم منظومة العمل داخل المنطقة، إضافة إلى تسليم عقود عمل لعدد من ذوي الهمم، في خطوة تؤكد التزام الدولة بتطبيق مبادئ تكافؤ الفرص ودمجهم في سوق العمل باعتبارهم شركاء في عملية التنمية.
ويبرز المشروع كذلك كأحد النماذج الناجحة للتعاون المصري الصيني، حيث تسهم شركة "باور تشاينا" في نقل الخبرات الفنية والتكنولوجية الحديثة، بما يدعم توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، ويرفع كفاءة الكوادر المصرية، ويعزز قدرة السوق المحلية على تنفيذ المزيد من المشروعات المستقبلية دون الاعتماد الكامل على الخبرات الأجنبية.
وتؤكد المؤشرات أن مشروعات طاقة الرياح أصبحت أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد المصري، ليس فقط لما توفره من كهرباء نظيفة، وإنما لما تخلقه من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط للصناعات المغذية، وزيادة لمعدلات الاستثمار المحلي والأجنبي، فضلًا عن دعم جهود الدولة في الوفاء بالتزاماتها الدولية المتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية والتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
وفي ظل التوسع الكبير الذي تشهده مصر في إنشاء محطات الطاقة الشمسية ومزارع الرياح، تبدو مدينة رأس غارب اليوم نموذجًا حيًا للتحول الذي تقوده الدولة نحو مستقبل يعتمد على الطاقة النظيفة، ويجمع بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة، ويؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها الطاقة المتجددة أحد أهم روافد النمو والتنمية.
وهكذا، فإن مشروع "مصدر إي بي إن تك" لطاقة الرياح لا يمثل مجرد محطة لإنتاج الكهرباء، بل يجسد رؤية وطنية شاملة تستند إلى الاستثمار في الموارد الطبيعية، وبناء الإنسان، وجذب التكنولوجيا، وتعزيز الشراكات الدولية، ليصبح علامة فارقة في مسيرة التحول نحو الجمهورية الجديدة، التي تجعل من الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة عنوانًا رئيسيًا لمستقبل مصر.



