اللواء د. رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية: من يوليو إلى الجمهورية الجديدة...الحكاية التي لم تنته
في كل عام، حين يطل صباح الثالث والعشرين من يوليو، يبدو وكأن الزمن يتوقف قليلا، تتصدر ذكرى الثورة صفحات الجرائد، وتعود الأغنيات الوطنية، ويستعيد المصريون حكاية يعرفون بدايتها، لكنهم ما زالوا يعيشون فصولها حتى اليوم، لا يعود الناس إلى يوليو بحثا عن الماضي فقط، بل لأنهم يدركون أن بعض الأيام لا تنتهي بانتهاء أصحابها، وإنما تظل قادرة على تشكيل وجدان أمة بأكملها.
تأمل محطتين يفصل بينهما أكثر من سبعين عاما، المحطة الأولى، حين خرجت مجموعة من الشباب تحمل حلما أكبر من أعمارها، وقررت أن تغير مسار وطن بأكمله، لتضع الأساس لدولة وطنية مستقلة، والمحطة الثانية، حيث تشق المدن الجديدة الصحراء، وتمتد شبكات الطرق، وتنطلق وسائل النقل الحديثة، وتتواصل المشروعات القومية التي تعيد رسم ملامح التنمية في مصر، قد تختلف أدوات كل مرحلة، لكن الخيط الذي يصل بينهما لم ينقطع يوما؛ إنه إيمان الدولة المصرية بأن البناء عملية مستمرة لا تعرف التوقف.
لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو مجرد تغيير سياسي، بل كانت لحظة قررت فيها مصر أن تمتلك قرارها، وأن تؤسس دولة وطنية حديثة قادرة على حماية استقلالها وتحقيق العدالة لمواطنيها، كانت البداية الحقيقية لفكرة أن الدولة ليست مجرد مؤسسات، بل مشروع حياة، وأن الوطن لا يحافظ على وجوده إلا إذا امتلك القوة والعلم والإرادة.
مرت السنوات، وتعاقبت الأجيال، وتغيرت التحديات، انتهى زمن الاحتلال المباشر، لكنه أفسح المجال لمعركة أكثر تعقيدا؛ معركة التنمية، وبناء الاقتصاد، وحماية الأمن القومي، ومواجهة الفوضى التي اجتاحت الإقليم، هنا بدأت مصر فصلا جديدا من الحكاية، عنوانه "الجمهورية الجديدة"، ليس باعتبارها ميلاد دولة أخرى، وإنما باعتبارها مرحلة جديدة في رحلة الدولة نفسها.
وهذا هو المعنى الذي حملته كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة يوليو، عندما تحدث عن الثورة باعتبارها نقطة انطلاق لبناء الدولة الوطنية الحديثة، وأكد أن قيمها في الاستقلال والكرامة والعمل ما زالت حاضرة، وأن ما تشهده مصر اليوم هو استكمال لمسيرة وطنية طويلة، هدفها بناء دولة قوية، قادرة، وعصرية، تواجه تحديات القرن الحادي والعشرين بأدواته.
ليس من الإنصاف أن نقارن بين يوليو والجمهورية الجديدة من زاوية الوسائل، فلكل عصر أدواته ولغته، في خمسينيات القرن الماضي كان بناء السد العالي والمصانع الكبرى هو عنوان التقدم، أما اليوم فأصبحت المدن الذكية، والتحول الرقمي، والطاقة النظيفة، وتطوير البنية التحتية، والاقتصاد القائم على المعرفة، هي عناوين المرحلة الجديدة، لكن الفكرة الجوهرية لم تتغير؛ بناء دولة قوية تملك قرارها وتستثمر في مستقبلها.
ولعل الرسالة الأهم التي يقدمها التاريخ المصري هي أن البناء لا يعرف نقطة نهاية، فمن ثورة يوليو إلى الجمهورية الجديدة، لم تتوقف الدولة عن السعي نحو التطوير، ولم ينقطع حلم المصريين في وطن أكثر قوة وتقدما، كل مرحلة أضافت لبنة جديدة في صرح الدولة، وكل جيل حمل الأمانة إلى الجيل التالي، حتى أصبحت مسيرة البناء نفسها هي السمة الأبرز للدولة المصرية الحديثة.
في عالم تتساقط فيه الدول تحت وطأة الصراعات والانقسامات، تبدو قيمة الدولة الوطنية أكثر وضوحا من أي وقت مضى، وما شهدته المنطقة خلال العقد الأخير أكد أن الحفاظ على مؤسسات الدولة لم يعد شعارا سياسيا، بل قضية وجود، لذلك، فإن كل طريق جديد، وكل مدرسة، وكل مستشفى، وكل مدينة تبنى، ليست مجرد مشروعات إنشائية، وإنما حلقات في معركة تثبيت أركان الدولة، وهي المعركة نفسها التي بدأت، بصيغة مختلفة، قبل أربعة وسبعين عامًا.
وربما لهذا السبب، لا تبدو ذكرى يوليو مناسبة لاستدعاء الحنين بقدر ما تبدو فرصة لتجديد الثقة، الأمم التي تعرف جذورها، تكون أكثر قدرة على رسم مستقبلها ومصر، التي عبرت محطات صعبة في تاريخها، أثبتت في كل مرة أن لديها قدرة استثنائية على النهوض من جديد، وأن الدولة التي صمدت أمام تحديات الأمس قادرة على مواجهة تحديات الغد.
تبقى المحطة الأولى شاهدة على لحظة الميلاد، وتبقى الثانية شاهدا على استمرار الرحلة، وبين المحطتين، لم تتغير الحقيقة الأساسية؛ أن مصر حين تختار البناء، فإنها لا تبني حاضرها فقط، بل تؤسس لمستقبل أجيال قادمة وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تمنحه لنا ذكرى الثالث والعشرين من يوليو كل عام: أن الأوطان العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي، وإنما تجعل من تاريخها نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر قوة وثقة واستقرارا.


