حين يقف الابن في قفص الاتهام أمام أبيه .. من سرق الرحمة من قلوبنا؟
لم يكن المجتمع المصري يومًا يعرف هذه المشاهد القاسية التي أصبحت تتكرر بصورة تثير الخوف قبل الدهشة. كنا نسمع عن بر الوالدين، وعن الأب الذي يفني عمره من أجل أبنائه، وعن الأم التي تبيع راحتها لتصنع مستقبل أسرتها. أما اليوم، فقد أصبحنا نصحو على أخبار تكاد تعصف بكل ما تربينا عليه.
ابن يقتل أباه... وابنة تتنكر لأمها... وابن يطالب بالحجر على أبيه وهو لا يزال حيًا بين أبنائه... وأسر تتفكك أمام المحاكم، بينما تتساقط القيم واحدة تلو الأخرى.
أي زمن هذا؟
السؤال لم يعد: من المخطئ في هذه الواقعة أو تلك؟ بل أصبح: ماذا حدث للمجتمع؟
هل فقدنا البوصلة الأخلاقية؟ أم أننا تركنا أبناءنا يتربون في عالم آخر، لا يشبه مصر التي عرفناها؟
هل يتحمل الإعلام جزءًا من المسؤولية عندما ينشغل بالصخب والإثارة أكثر من اهتمامه ببناء الوعي؟ وهل أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تحويل العلاقات الإنسانية إلى صراع على المشاهدات والإعجابات، حتى أصبحت الشهرة أهم من الأخلاق؟
وماذا عن بعض ما يُقدم تحت اسم الفن؟ أفلام تُمجد البلطجة والعنف، وأغانٍ تهبط بالذوق العام، وتقدم ألفاظًا وسلوكيات لم تكن يومًا جزءًا من ثقافتنا. صحيح أن الفن ليس المسؤول الوحيد، لكنه حين يغيب عنه الضمير، يتحول من قوة ناعمة تبني الإنسان إلى قوة تهدم وجدانه.
لكن تحميل المسؤولية لطرف واحد هو تبسيط مخل للحقيقة.
أين الأسرة التي كانت المدرسة الأولى للأخلاق؟ أين المدرسة التي كانت تغرس الاحترام قبل المعلومة؟ أين المسجد والكنيسة اللذان كانا يصنعان الضمير؟ وأين علماء الاجتماع وعلماء النفس الذين يجب أن يقرأوا هذه التحولات بعمق، ويقدموا حلولًا عملية قبل أن تتحول هذه الوقائع إلى نمط اعتيادي؟
نحن لا نحتاج إلى بيانات إدانة بعد كل جريمة، بل نحتاج إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للقيم، ويُعيد للأب مكانته، وللأم قدسيتها، وللأسرة تماسكها.
وما يزيد الألم أن الأمر لم يعد يقتصر على العلاقات داخل الأسرة، بل امتد إلى الإساءة لرموز وطنية وشخصيات أفنت عمرها في خدمة هذا الوطن. أصبح الاتهام سهلًا، والتشهير هواية، والاغتيال المعنوي وسيلة لتحقيق الانتشار، دون احترام لتاريخ أو إنجاز أو سمعة بُنيت عبر عقود من العمل والعرق والكفاح.
إن الاختلاف حق، والنقد حق، لكن التجريح، والافتراء، وتحطيم الرموز دون دليل، ليس حرية، بل فوضى أخلاقية تهدد المجتمع كله.
إن معركة اليوم ليست معركة قانون فقط، بل معركة وعي. فالقوانين تعاقب الجاني بعد وقوع الجريمة، أما الوعي فيمنع الجريمة قبل أن تولد.
علينا أن نستعيد احترام الكبير، وأن نعيد الاعتبار للأسرة، وأن نُحصّن أبناءنا بالفكر والثقافة والقدوة الحسنة، وأن تتكاتف مؤسسات الإعلام والتعليم والثقافة والدين وعلماء الاجتماع والنفس، حتى لا نصبح غرباء داخل مجتمع كان يُضرب به المثل في التراحم والتماسك.
ويبقى السؤال الذي لا يجوز أن يمر بلا إجابة:
من سرق الرحمة من قلوب البعض؟ ومن يعيد إلى المجتمع إنسانيته قبل أن نفقد ما تبقى من منظومة القيم التي صنعت مصر عبر تاريخها؟