رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

صرح جديد بالأقصر بـ23 مليون جنيه يفتح أبوابه لخدمة أهالي المناطق الجبلية

جانب من المشروع
جانب من المشروع

محافظة الأقصر، تلك المدينة التي اختزنت عبر آلاف السنين أعظم صفحات الحضارة الإنسانية، لا تكتفي اليوم بالحفاظ على آثار الماضي، بل تخوض معركة جديدة لبناء الإنسان وصناعة المستقبل من خلال الثقافة والفنون والمعرفة.

وفي قلب هذه الرؤية يأتي قصر ثقافة حاجر العديسات باعتباره مشروعًا ثقافيًا يحمل رسالة تتجاوز حدود المكان، ليصبح نافذة مفتوحة لأهالي جنوب مصر على عوالم الإبداع والتعلم واكتشاف الطاقات الكامنة.

فالثقافة لم تعد ترفًا أو نشاطًا جانبيًا، بل أصبحت إحدى الأدوات الأساسية لبناء الوعي وتعزيز الانتماء وتطوير قدرات الأجيال الجديدة؛ ومن هذا المنطلق، جاء إنشاء قصر ثقافة حاجر العديسات ليجسد مفهوم العدالة الثقافية، ويؤكد أن وصول الخدمات الثقافية إلى القرى والمناطق البعيدة يمثل خطوة ضرورية لتحقيق التنمية المتوازنة.

صرح ثقافي جديد

فيما يقام قصر ثقافة حاجر العديسات على مساحة إجمالية تبلغ 1323 مترًا مربعًا، وبلغت تكلفة إنشائه نحو 23 مليون جنيه، ليكون أحد الصروح الثقافية الحديثة التي تستهدف خدمة أهالي مناطق حاجر العديسات والندافين والمناطق المحيطة بها شرق محافظة الأقصر.

وجاء إنشاء القصر ضمن جهود الدولة للتوسع في إقامة المنشآت الثقافية بمختلف المحافظات، بهدف نقل الأنشطة والفعاليات من المدن الكبرى إلى القرى والنجوع، وإتاحة الفرصة أمام المواطنين للحصول على خدمات ثقافية وفنية بالقرب من أماكن إقامتهم.

ويحمل القصر أهمية خاصة، باعتباره مساحة جديدة تتيح للأطفال والشباب التعبير عن مواهبهم، وتوفر بيئة مناسبة للتعلم والتدريب والمشاركة في الفعاليات الفنية والثقافية المختلفة.

تصميم يخدم المعرفة والفنون

فيما يتكون قصر ثقافة حاجر العديسات من طابقين، جرى تصميمهما ليضمّا مجموعة متنوعة من القاعات والخدمات التي تلبي احتياجات مختلف الفئات العمرية.

ويضم الطابق الأرضي عددًا من الفراغات المخصصة للاستقبال، إلى جانب مكتبة عامة تهدف إلى نشر ثقافة القراءة وإتاحة مصادر المعرفة أمام المواطنين، بالإضافة إلى قاعة لتكنولوجيا المعلومات تسهم في تعزيز استخدام الوسائل الرقمية والتقنيات الحديثة في التعلم والتثقيف.

كما يحتوي الطابق الأرضي على غرف إدارية وغرف مخصصة للممثلين، إلى جانب المسرح الرئيسي الذي يمثل القلب النابض للقصر، حيث تبلغ مساحته نحو 220 مترًا مربعًا، ويتسع لـ 145 كرسيًا، بالإضافة إلى خشبة مسرح تبلغ مساحتها 60 مترًا مربعًا، بما يسمح باستضافة العروض المسرحية والفنية والندوات والفعاليات الجماهيرية.

أما الطابق الثاني، فقد خصص للأنشطة الإبداعية والتدريبية، حيث يضم قاعات للحرف البيئية التي تهدف إلى الحفاظ على التراث المحلي وتشجيع الصناعات اليدوية، إلى جانب قاعات الفنون التشكيلية والمرسم، بالإضافة إلى أماكن مخصصة لأنشطة الطفل وغرف الإسقاط والعروض.

المناطق الجبلية

فيما يمثل قصر ثقافة حاجر العديسات نموذجًا لفلسفة جديدة في العمل الثقافي تقوم على الوصول إلى المواطن أينما كان، وعدم اقتصار النشاط الثقافي على المراكز الحضرية فقط.

فالمناطق الجبلية والقرى المحيطة بالأقصر تمتلك ثروات بشرية ومواهب تحتاج إلى من يكتشفها ويمنحها فرصة الظهور، وهو الدور الذي يسعى القصر إلى القيام به من خلال تنظيم الفعاليات والورش الفنية والثقافية المختلفة.

ويستهدف القصر تقديم برامج متنوعة تشمل الأطفال والشباب والكبار، بما يساهم في بناء شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة والإبداع والوعي المجتمعي.

إنشاء رغم التحديات

بدأت قصة قصر ثقافة حاجر العديسات مع تخصيص قطعة الأرض الخاصة بالمشروع عام 2017، ثم بدأت مراحل التنفيذ حتى اكتملت الإنشاءات عام 2020، ليصبح جاهزًا لاستقبال الأنشطة الثقافية.

ودخل القصر الخدمة رسميًا في شهر فبراير، إلا أن العمل به تأثر خلال فترة جائحة فيروس كورونا التي فرضت ظروفًا استثنائية على مختلف القطاعات، قبل أن تعود الفعاليات الثقافية بقوة من خلال برامج وأنشطة متنوعة تستهدف إعادة تنشيط الدور الثقافي للمكان.

بناء الإنسان

فيما لا تقتصر أهمية قصور الثقافة على إقامة العروض الفنية أو تنظيم الندوات، وإنما تمتد إلى بناء الفكر وتشكيل الوعي وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات.

ومن خلال قصر ثقافة حاجر العديسات، يتم تقديم سلسلة من الندوات والمحاضرات واللقاءات التي تستهدف الأطفال والشباب وطلاب المدارس، إلى جانب برامج تهتم بالصحة والتغذية وبناء الشخصية، بما يجعل الثقافة جزءًا من الحياة اليومية للمواطن.

كما يفتح القصر أبوابه أمام المواهب الشابة في مجالات المسرح والفنون التشكيلية والحرف اليدوية وغيرها من المجالات الإبداعية، بما يمنح أبناء المنطقة فرصة لاكتشاف قدراتهم وتطويرها.

رعاية المواهب وذوي الهمم

وضمن أهدافه المجتمعية، يسعى القصر إلى احتضان مختلف الفئات، بما في ذلك ذوو القدرات الخاصة، من خلال أنشطة وبرامج تساعد على دمجهم وتشجيع مشاركتهم في الحياة الثقافية والفنية.

فالإبداع لا يعرف حدودًا، والثقافة الحقيقية هي التي تفتح أبوابها أمام الجميع، وتمنح كل فرد فرصة للتعبير عن ذاته والمشاركة في صناعة المشهد الثقافي.

رسالة تتجاوز حدود المبنى

إن قصر ثقافة حاجر العديسات ليس مجرد مبنى يضم قاعات ومسرحًا ومكتبة، بل هو مشروع يحمل رسالة أعمق؛ رسالة تؤكد أن التنمية لا تكتمل بالطرق والمشروعات الاقتصادية فقط، وإنما تحتاج إلى بناء الوعي وصناعة الإنسان.

فبين جدران هذا الصرح الجديد يمكن أن تولد موهبة فنية، أو فكرة مبتكرة، أو حلم لطفل يبحث عن مساحة يطلق فيها خياله. ومن هنا تصبح الثقافة جسرًا يربط الماضي العريق للمحافظة بمستقبل أكثر إشراقًا.

وفي النهاية، يظل قصر ثقافة حاجر العديسات شاهدًا على أن الاستثمار في العقل والوجدان هو أحد أهم أشكال الاستثمار في المستقبل، وأن الوصول بالثقافة إلى القرى والمناطق البعيدة ليس مجرد خدمة إضافية، بل حق أصيل لكل مواطن يسعى إلى المعرفة والإبداع والمشاركة في بناء وطنه.

تم نسخ الرابط