رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

لماذا نصوِّر الموت بدلًا من إنقاذه؟..قراءة نفسية في ظاهرة التصوير أثناء الكوارث

الدكتورة نجلاء نادر
الدكتورة نجلاء نادر

في كل حادث مأساوي يتكرر المشهد ذاته؛ حريق يلتهم مبنى، أشخاص يستغيثون، وألسنة اللهب ترتفع إلى السماء، بينما يقف عشرات الأشخاص ممسكين بهواتفهم المحمولة، يوثقون اللحظة بالصوت والصورة، دون أي محاولة فعلية للمساعدة أو طلب النجدة.

التصوير أثناء الكوارث 

شهدنا هذا السلوك في عدد من الحوادث المؤلمة، ومنها حرائق شهدتها مناطق مثل العمرانية ومدينة السادس من أكتوبر، حيث امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة للحظات شديدة القسوة، بينما كان السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يستطيع الإنسان أن يصور إنسانًا يحترق دون أن يتحرك لإنقاذه؟
من منظور علم النفس، لا يمكن إصدار تشخيص واحد على جميع من يقومون بهذا السلوك، لكن توجد عدة تفسيرات نفسية واجتماعية قد تفسره.
أولها ما يعرف في علم النفس بـ"تأثير المتفرج" (Bystander Effect)، حيث يقل شعور الفرد بالمسؤولية كلما زاد عدد الحاضرين، فيعتقد أن شخصًا آخر سيتدخل، فيتحول الجميع إلى متفرجين.
التفسير الثاني هو ما يسمى بـ"التبلد الانفعالي".

 فالتعرض اليومي لمشاهد العنف والحرائق والحروب عبر وسائل التواصل قد يجعل بعض الأفراد أقل استجابة للمشاهد الإنسانية الصادمة، وكأن الدماغ اعتاد رؤية الكوارث حتى فقد جزءًا من حساسيته الطبيعية تجاهها.
كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تعزيز ما يمكن تسميته بـ"ثقافة التوثيق". فقد أصبح البعض يشعر أن دوره الأول هو تسجيل الحدث ونشره للحصول على المشاهدات أو السبق الإعلامي، حتى وإن جاء ذلك على حساب إنقاذ إنسان يحتاج للمساعدة.
وهناك أيضًا ما يعرف بـ"الانفصال الانفعالي المؤقت"، وهي حالة قد يواجهها بعض الأشخاص أثناء الصدمات، فيتصرفون بصورة آلية دون استيعاب كامل لخطورة الموقف، فيلجؤون إلى التصوير كنوع من التعامل غير الواعي مع الحدث.
وفي بعض الحالات قد يكون التصوير محاولة لتقليل الشعور بالخوف؛ فإمساك الهاتف يمنح الشخص إحساسًا زائفًا بالسيطرة على الموقف، بينما هو في الحقيقة يبتعد نفسيًا عن الألم الذي يراه.
لكن من المهم التأكيد أن هذا لا ينطبق على الجميع. 

فهناك من يصور لتوثيق الحادث من أجل مساعدة جهات التحقيق، أو لتحديد موقع الحريق وإبلاغ فرق الإنقاذ، أو لعدم امتلاكه القدرة البدنية على التدخل المباشر. لذلك لا يجوز تعميم الاتهام أو إطلاق أحكام نفسية قاطعة على كل من يحمل هاتفًا في موقع الحادث.
إن أخطر ما تكشفه هذه المشاهد ليس الحريق فقط، بل احتمال تراجع قيم التعاطف والمسؤولية الاجتماعية لدى بعض الأفراد. فحين يصبح الهاتف أسرع من اليد التي تمتد لإنقاذ إنسان، نكون أمام قضية تحتاج إلى مراجعة مجتمعية وتربوية، قبل أن تكون قضية أمنية أو قانونية.
إن بناء مجتمع أكثر رحمة لا يتحقق فقط بتطوير وسائل الإنقاذ، بل يبدأ بتربية الأطفال والشباب على قيمة المبادرة، والإحساس بالمسؤولية، واحترام كرامة الإنسان، حتى لا تتحول المآسي إلى محتوى رقمي، ويتحول الضحايا إلى مجرد مشاهد تحصد الإعجابات.

تم نسخ الرابط