من الصعيد للعالم.. تفاصيل مشروع قد يعيد رسم خريطة الصناعة في مصر
بني سويف ليست مجرد نقطة على خريطة الصعيد، بل مساحة تتقاطع فيها التحولات الكبرى بين الحلم والتنفيذ، وبين ما كان يُنظر إليه كهوامش التنمية وما أصبح اليوم مركزًا لصناعة المستقبل.
ففي زمن لم تعد فيه الجغرافيا حاكمة لمسارات الاقتصاد، تبرز المصانع الكبرى بوصفها عقولًا صناعية تعيد تعريف معنى المكان ودوره في العالم.
ومن هنا، لا يبدو مصنع سامسونج في بني سويف مجرد منشأة إنتاج، بل علامة فارقة على طريق طويل تسلكه الدولة نحو بناء صناعة إلكترونية متقدمة، تستند إلى المعرفة والتكنولوجيا والشراكة الدولية، لتصنع مستقبلًا لا يُستورد بل يُنتج داخل الحدود.

توطين الصناعات التكنولوجية
فلم يعد توطين الصناعات التكنولوجية بمصر مجرد شعار تتبناه الدولة، بل تحول إلى استراتيجية متكاملة تستند إلى جذب الاستثمارات العالمية، وتعميق التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وبناء كوادر بشرية قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
وفي قلب هذه الرؤية، يبرز مصنع سامسونج للإلكترونيات بمحافظة بني سويف باعتباره أحد أهم النماذج العملية للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص العالمي، وتجسيدًا لنجاح مصر في التحول إلى مركز إقليمي لصناعة الإلكترونيات والهواتف المحمولة.
وتكتسب الزيارة التي أجراها المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلى مصنع سامسونج ببني سويف أهمية خاصة، إذ جاءت في توقيت يشهد توسعًا متسارعًا في صناعة الإلكترونيات داخل مصر، ورسخت رسالة واضحة مفادها أن الدولة ماضية في تنفيذ خطة طموحة لبناء اقتصاد إنتاجي يعتمد على التكنولوجيا والصناعة المتقدمة، بالشراكة مع كبريات الشركات العالمية.

سامسونج بكوم أبو راضي
فيما يقع مجمع مصانع سامسونج بمنطقة كوم أبو راضي الصناعية بمحافظة بني سويف، ويُعد أول مصنع للشركة الكورية العملاقة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وهو ما يعكس الثقة التي أولتها الشركة للسوق المصرية باعتبارها نقطة انطلاق نحو الأسواق الإقليمية.
وتجاوزت الاستثمارات الإجمالية للمجمع 100 مليون دولار، ليضم مصنعًا لإنتاج أجهزة التلفزيون والشاشات، إلى جانب مصنع متخصص في تصنيع الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية، الأمر الذي جعله أحد أكبر المشروعات الصناعية المتخصصة في قطاع الإلكترونيات داخل مصر.
ولا يمثل المصنع مجرد منشأة إنتاجية، بل أصبح منصة صناعية متكاملة تجمع بين التكنولوجيا الحديثة، وسلاسل الإمداد، والكوادر المصرية المدربة، بما يعزز من قدرة الدولة على المنافسة في الصناعات عالية القيمة.
وزير الاتصالات
خلال الجولة التفقدية، اطلع وزير الاتصالات ومحافظ بني سويف على أحدث خطوط الإنتاج داخل المصنع، واستمعا إلى عرض تفصيلي حول خطط الشركة المستقبلية للتوسع وزيادة الطاقة الإنتاجية، بما يلبي احتياجات السوق المحلية ويعزز الصادرات المصرية إلى الأسواق الخارجية.
وأكد مسؤولو الشركة أن المصنع يشهد توسعات متواصلة منذ بدء التشغيل، في إطار استراتيجية تستهدف تحويل مصر إلى قاعدة إقليمية لإنتاج الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية، مع الاعتماد بصورة متزايدة على الكفاءات المصرية في مختلف مراحل التصنيع.

من التابلت للهواتف الذكية
بدأت سامسونج عمليات التصنيع داخل بني سويف عام 2022 بإنتاج أجهزة التابلت التعليمي، بطاقة إنتاجية بلغت نحو 700 ألف جهاز سنويًا، دعمًا لجهود الدولة في تطوير منظومة التعليم الرقمي.
ومع تزايد الطلب المحلي والإقليمي، دشنت الشركة خلال عام 2025 مصنعًا جديدًا متخصصًا في تصنيع الهواتف المحمولة إلى جانب أجهزة الحاسب اللوحي، بطاقة إنتاجية قصوى تصل إلى 6 ملايين وحدة سنويًا، وهو ما يمثل نقلة نوعية في حجم الإنتاج والتصنيع المحلي.
ويعكس هذا التوسع ثقة الشركة في البيئة الاستثمارية المصرية، وفي الإمكانات البشرية القادرة على تشغيل أحدث خطوط الإنتاج العالمية.
أرقام تؤكد نجاح التجربة
فيما تشير البيانات الخاصة بعام 2025 إلى أن المصنع تمكن من إنتاج نحو 2.2 مليون هاتف محمول مخصص للسوق المحلية، بالإضافة إلى 600 ألف جهاز تابلت.
ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على حجم الإنتاج، بل تمتد إلى جودة التصنيع، حيث يتم إنتاج أحدث طرازات الهواتف الذكية داخل مصر وطرحها بالتزامن مع الأسواق العالمية، وهو ما يعكس وصول الصناعة المصرية إلى مستويات متقدمة من الجودة والكفاءة.
كما تُصدَّر منتجات المصنع إلى عدد من الأسواق في إفريقيا والشرق الأوسط، بما يدعم الصادرات المصرية ويعزز مكانة مصر كمركز صناعي إقليمي.

1500 فرصة عمل
فيما يمثل مصنع سامسونج نموذجًا للتنمية الصناعية التي ترتبط بالتنمية الاجتماعية، إذ وفر أكثر من 1500 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، أغلبها لأبناء محافظة بني سويف ومحافظات الصعيد.
وتعكس هذه الخطوة توجه الدولة نحو توزيع الاستثمارات الصناعية خارج نطاق القاهرة الكبرى، بما يسهم في خلق مجتمعات إنتاجية جديدة داخل محافظات الصعيد، ويحد من الهجرة الداخلية، ويرفع مستويات الدخل ويخلق فرصًا حقيقية للشباب.
كما ساهم المصنع في نقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية العالمية إلى العمالة المصرية، من خلال برامج تدريب وتأهيل مستمرة، بما يرفع من كفاءة العنصر البشري ويعزز قدرته على التعامل مع أحدث التقنيات الصناعية.
شراكة لبناء المستقبل
ومن جانبه أكد المهندس رأفت هندي، خلال الجولة، أن سامسونج تعد من أوائل الشركات العالمية التي تعاونت مع الحكومة المصرية في إطار استراتيجية تنمية صناعة الإلكترونيات وتعميق التصنيع المحلي.
وأوضح أن توسعات الشركة تعكس ثقتها في الاقتصاد المصري، وفي الكفاءات الوطنية، كما تؤكد نجاح الدولة في تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، تقوم على تطوير البنية التحتية، وتقديم الحوافز الاستثمارية، وإعداد العمالة المؤهلة.
وأشار إلى أن المصنع لا يقتصر دوره على تلبية احتياجات السوق المحلية، بل يمثل قاعدة للتصدير إلى العديد من الأسواق الإقليمية، وهو ما يعزز تنافسية المنتج المصري ويدعم زيادة حصيلة الصادرات.
وأضاف أن هذه التجربة تمثل نموذجًا ناجحًا للتكامل بين الدولة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، حيث تمتزج الخبرة الصناعية العالمية مع الكفاءات المصرية، بما يخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

مصر تصنع الإلكترونيات
وتأتي توسعات سامسونج ضمن استراتيجية الدولة لتنفيذ مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات»، التي تستهدف توطين صناعة الأجهزة الإلكترونية والهواتف المحمولة، وزيادة نسب المكون المحلي، وجذب المزيد من الشركات العالمية للعمل داخل السوق المصرية.
وتستند هذه المبادرة إلى عدد من المحاور، من بينها تطوير المناطق التكنولوجية، وتحسين البنية التحتية الرقمية، وتأهيل الكوادر البشرية، وتقديم حوافز للمستثمرين، بما يجعل مصر مركزًا إقليميًا للتصنيع والتصدير في قطاع الإلكترونيات.
وتعد بني سويف إحدى المحافظات التي استفادت من هذه الرؤية، حيث أصبحت تحتضن واحدًا من أكبر المشروعات الصناعية في هذا القطاع، بما يعكس توجه الدولة نحو تحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف الأقاليم.
زيارة تتجاوز المصنع
ولم تقتصر زيارة وزير الاتصالات إلى بني سويف على تفقد مصنع سامسونج، بل شملت افتتاح وتفقد عدد من مشروعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، من بينها مكتب بريد جديد، وسنترال تابع للشركة المصرية للاتصالات، ومركز «إبداع مصر الرقمية» بالمنطقة التكنولوجية، إضافة إلى زيارة إحدى مدارس التربية الخاصة، وتوقيع مذكرتي تفاهم بديوان عام المحافظة.
ويؤكد هذا البرنامج المتكامل أن الدولة تنظر إلى التحول الرقمي باعتباره مشروعًا تنمويًا شاملًا، يجمع بين الصناعة، والاتصالات، والتعليم، والخدمات الحكومية، في إطار رؤية تستهدف بناء اقتصاد رقمي متكامل.

مستقبل تصنعه الشراكات الدولية
وفي النهاية تكشف تجربة مصنع سامسونج في بني سويف أن نجاح الدولة في جذب الاستثمارات العالمية لم يعد يقاس بحجم رؤوس الأموال فقط، بل بقدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى صناعة حقيقية، ونقل للتكنولوجيا، وتوفير فرص عمل، وتعزيز الصادرات، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة المستقبل.
ومع استمرار توسعات المصنع، وتنامي التعاون بين الحكومة والشركاء الدوليين، تواصل مصر ترسيخ مكانتها كوجهة موثوقة للاستثمار في الصناعات التكنولوجية، وكقاعدة إنتاج إقليمية تخدم الأسواق العربية والإفريقية والعالمية.
ويؤكد ذلك أن بناء المستقبل لا يتحقق بالمشروعات المنفردة، بل بمنظومة متكاملة تقوم على الشراكة، والابتكار، والتخطيط طويل المدى، وهي الركائز التي تجعل من مصنع سامسونج في بني سويف نموذجًا حيًا لمسيرة الدولة نحو اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.



