من منطقة استثمارية إلى بوابة للتصدير.. قصة صعود بنها الصناعي
لم تعد الصناعة في عالم اليوم مجرد خطوط إنتاج وآلات تدور داخل المصانع، بل أصبحت تعبيرًا عن قدرة الدول على تحويل مواردها إلى قيمة مضافة، وربط اقتصادها بالأسواق العالمية عبر سلاسل إنتاج متشابكة لا تعترف بالحدود الجغرافية.
وفي هذا السياق، تبرز المناطق الاستثمارية بوصفها أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول لتعزيز تنافسيتها، وتحويل الأفكار إلى منتجات، والمنتجات إلى صادرات، والصادرات إلى قوة اقتصادية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة.

بنها وميت غمر
وفي مصر، تكتسب المناطق الاستثمارية في بنها وميت غمر أهمية متزايدة، ليس فقط لما تضمه من مصانع متنوعة، وإنما لما تمثله من نموذج للتنمية الصناعية القائمة على التكامل بين البنية التحتية، والاستثمار، والتكنولوجيا، وتأهيل المنتج المحلي للمنافسة في الأسواق الدولية.
وجاءت تصريحات الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، خلال الاجتماع السنوي لمؤسسة Development Partners International (DPI)، لتسلط الضوء على هذا التوجه، عندما وصف المصانع الموجودة داخل هاتين المنطقتين بأنها «نماذج تدعو للفخر»، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على الترويج لها محليًا وعالميًا، باعتبارها أحد روافد زيادة الصادرات المصرية وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.
بنها صناعة تنمو على أرض الدلتا
تمثل المنطقة الاستثمارية في بنها، الواقعة على طريق بنها – المنصورة بمحافظة القليوبية، واحدة من أكبر التجمعات الصناعية في دلتا مصر. ولم يكن اختيار موقعها وليد المصادفة؛ فالقرب من شبكة الطرق الرئيسية، وسهولة الوصول إلى الموانئ والأسواق المحلية، جعلا منها نقطة جذب للمستثمرين الباحثين عن بيئة إنتاجية متكاملة.

وتضم المنطقة مجموعة واسعة من الصناعات، تشمل الصناعات الغذائية والهندسية، والصناعات الكيماوية والبلاستيكية، ومواد البناء، فضلًا عن الصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية. ويمنح هذا التنوع المنطقة قدرة على تحقيق التكامل الصناعي، حيث تتداخل سلاسل الإنتاج بين المصانع المختلفة، بما يرفع من كفاءة التشغيل ويخفض تكاليف الإنتاج.
ولا تقتصر أهمية المنطقة على المصانع وحدها، بل تمتد إلى ما توفره من بنية تحتية متطورة تشمل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات والطرق الداخلية، وهي عناصر تمثل الأساس الحقيقي لأي بيئة استثمارية ناجحة.
ميت غمر
أما مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، فقد ارتبط اسمها تاريخيًا بالصناعة، حتى أصبحت إحدى أهم القلاع الصناعية في مصر، خاصة في مجال الصناعات المعدنية والهندسية.
وتضم المنطقة الاستثمارية هناك عشرات المصانع المتخصصة في إنتاج الأدوات المنزلية المصنوعة من الاستانلس ستيل والألومنيوم، إلى جانب الصناعات المغذية، والأجهزة والمعدات، والمنتجات المعدنية المختلفة، التي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانًا في الأسواق المحلية، وتسعى اليوم إلى تعزيز حضورها في الأسواق الخارجية.

وتعتمد هذه المنطقة على شبكة واسعة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للصناعة المصرية، إذ توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتسهم في نقل الخبرات الصناعية بين الأجيال، كما تعزز من مرونة الاقتصاد المحلي في مواجهة التحديات.
من الإنتاج للتنافسية
يرى خبراء الاقتصاد أن امتلاك مصانع قوية لم يعد كافيًا في ظل المنافسة الدولية، إذ أصبحت الجودة والالتزام بالمواصفات القياسية، وسرعة النفاذ إلى الأسواق، عوامل لا تقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه.
ومن هنا، أوضح وزير الاستثمار أن الحكومة تعمل على ربط المنتج المصري بسلاسل القيمة العالمية، من خلال رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين جودة المنتجات، والتوافق مع المعايير الدولية، بما يفتح أبوابًا جديدة أمام الصادرات المصرية.
كما تركز الوزارة على تيسير التجارة الخارجية، وتأهيل المصانع الصغيرة والمتوسطة للتصدير، عبر تقديم الدعم الفني، وتوفير البيانات الخاصة بالأسواق الخارجية، وتطوير منظومة معامل الفحص، وتعزيز دور مكاتب التمثيل التجاري في الترويج للمنتجات المصرية.

الاستثمار منظومة متكاملة
وأكد الوزير أن تطوير بيئة الاستثمار لا يتحقق عبر قرار منفرد أو إجراء مؤقت، بل هو عملية تراكمية تعتمد على إصلاحات تشريعية ومؤسسية وإجرائية مستمرة، تعزز ثقة المستثمرين، وتوفر بيئة أعمال أكثر كفاءة وشفافية.
وأشار إلى أن الدولة تعمل أيضًا على تطوير منظومة تمويل الشركات الناشئة، وتحديث آليات تقييمها، فضلًا عن إنشاء قواعد بيانات متكاملة للاستثمارات والتمويل وأنشطة الشركات، بما يساعد على صياغة سياسات اقتصادية تستند إلى مؤشرات دقيقة، وليس إلى تقديرات عامة.
كما لفت إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعًا في استخدام التكنولوجيا والبيانات لخدمة المصدرين، بما يمكن الشركات المصرية من الوصول إلى الأسواق العالمية بصورة أكثر فاعلية.

منظومة اقتصادية متكاملة
تكمن الإجابة في أن المنطقتين تمثلان نموذجًا عمليًا لفلسفة التنمية الصناعية الحديثة، التي لا تكتفي بإنشاء مصانع، وإنما تسعى إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة، تبدأ من توفير الأرض والمرافق، مرورًا بتأهيل العنصر البشري، وانتهاءً بفتح الأسواق العالمية أمام المنتج المحلي.
ففي عالم الاقتصاد، لا تُقاس قوة الدول بما تستهلكه، بل بما تنتجه، ولا بما تصنعه فقط، بل بقدرتها على جعل هذا الإنتاج جزءًا من حركة التجارة الدولية. ومن هذا المنطلق، تصبح المناطق الاستثمارية أكثر من مجرد تجمعات صناعية؛ إنها منصات لإنتاج الثقة، وتعزيز الابتكار، وتحويل الطاقات المحلية إلى قيمة اقتصادية تمتد آثارها إلى التشغيل، وزيادة الدخل، وتحسين الميزان التجاري.

صنع في مصر
تعكس خطة الحكومة للترويج للمناطق الاستثمارية في بنها وميت غمر رؤية تستهدف الانتقال من مفهوم الإنتاج المحلي إلى مفهوم الحضور العالمي. فالهدف لم يعد يقتصر على زيادة عدد المصانع، بل يتجاوز ذلك إلى بناء صناعة قادرة على المنافسة، تمتلك الجودة والابتكار والقدرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وفي ظل ما تمتلكه المنطقتان من بنية تحتية، وتنوع صناعي، وخبرات إنتاجية متراكمة، تبدو الفرصة مواتية لتحويلهما إلى نموذج يحتذى به في التنمية الصناعية، ليس فقط على مستوى دلتا مصر، بل على مستوى المنطقة بأكملها.
وفي النهاية يبقى الرهان الحقيقي في استمرار الإصلاحات، وتعميق التصنيع المحلي، وتوفير الدعم الفني والتمويلي للمصانع، حتى يصبح المنتج المصري عنصرًا فاعلًا في سلاسل القيمة العالمية، وحاملًا لعلامة «صنع في مصر» بوصفها عنوانًا للجودة والقدرة على المنافسة، لا مجرد بلد منشأ.



