وداعا للأرق.. دراسة: تحفيز الدماغ للاستشفاء وإصلاح الذاكرة «دون نوم»
فجّرت دراسة علمية حديثة مفاجأة قد تعيد تشكيل الفهم التقليدي لوظائف النوم وأهميته البيولوجية؛ إذ نجح فريق من الباحثين في محاكاة تأثيرات "النوم العميق" داخل أدمغة فئران مستيقظة تماماً، مما أدى إلى تحسين قدرات الذاكرة لديها، وتقليل مؤشرات الإرهاق العصبي بشكل ملحوظ دون الحاجة لإغلاق أعينها.
الدراسة التي نُشرت في مجلة "نيتشر" (Nature) العريقة، ونقل تفاصيلها موقع "سايتيك ديلي" العلمي، أظهرت أن تحفيز أنماط محددة من النشاط العصبي المرتبطة بمرحلة "النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة" (NREM)، مكن أجزاءً من الدماغ من تنفيذ عمليات إعادة التنظيم الذاتي والاستشفاء العصبي المعقدة أثناء اليقظة الكاملة.
تكنولوجيا الضوء تخدع خلايا الدماغ
لتحقيق هذا السبق التجريبي، اعتمد العلماء على تقنية "علم الوراثة الضوئي" باستخدام فئران تجارب معدلة وراثياً، بحيث يمكن التحكم في نشاط خلاياها العصبية وتوجيهها بواسطة نبضات ضوئية محددة.
وبعد إبقاء الفئران مستيقظة لساعات طويلة ومتواصلة، قام الباحثون بتحفيز مناطق معينة في الدماغ عبر الضوء، وجاءت النتيجة مذهلة؛ إذ لم تُظهر تلك المناطق المحفزة أي علامات من الإرهاق العصبي المعتاد عند فحصها لاحقاً، وكأنها نالت قسطاً وفيراً من الراحة.
إلهام مستوحى من الدلافين
تقول الباحثة كيارا تشيريللي، من جامعة "ويسكونسن - ماديسون":
"فكرة الدراسة انطلقت من تساؤل جوهري: هل يمكننا دفع الدماغ البشري أو الثديي للدخول في حالة تشبه النوم العميق وهو في قمة يقظته؟ نحن نعلم أن بعض الكائنات مثل الدلافين تمتلك بالفعل آليات (النوم الجزئي أو أحادي الجانب) التي تسمح لنصف دماغها بالنوم بينما يظل النصف الآخر مستيقظاً لإدارة الحركة والتنفس".
وأضافت "تشيريللي" موضحة نتائج التجربة: "بما أن هذا الجزء الخاضع للتجربة من الدماغ قد أنجز بالفعل عمليات إعادة التنظيم والاستشفاء أثناء اليقظة، فإنه لم يحتج إطلاقاً إلى فترة إضافية من النوم التعويضي عند السماح للفئران بالنوم لاحقاً".
هل نستغني عن السرير مستقبلاً؟
رغم المؤشرات الثورية والواعدة لهذه الدراسة، حرص فريق البحث على وضع خط فاصل بين الخيال العلمي والواقع البيولوجي الحالي؛ حيث شدد العلماء على أن هذه الأبحاث ما زالت في مراحلها الأولية المبكرة ومطبقة على حيوانات التجارب فقط.
وأكد الفريق أن النوم الطبيعي المتكامل سيبقى، على الأرجح، ضرورة بيولوجية حتمية للجسم ككل لا يمكن الاستغناء عنها بالكامل؛ نظراً لتقاطعه مع وظائف حيوية أخرى تشمل الهرمونات، المناعة، وصيانة بقية أعضاء الجسد، لكنه يفتح الباب مستقبلاً لتطوير علاجات ثورية لمرضى الأرق المزمن أو أصحاب المهن الشاقة التي تتطلب يقظة طويلة.
