رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

كشف في أعماق الظلام.. تقنيات جنائية تثبت استخدام البشر للنار قبل مليوني عام

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

في كشف أثري مذهل يعيد كتابة الفصول الأولى من تاريخ البشرية على الأرض، عثر علماء الآثار على أدلة دامغة وجديدة تؤكد استخدام الإنسان القديم للنار قبل نحو مليوني عام. وجاء هذا الاكتشاف من قلب كهف "وندرورك" الشهير في جنوب إفريقيا، حيث عُثر على بقايا عظام حيوانية متفحمة تعود إلى العصور السحيقة.

وحسب دراسة حديثة نشرتها مجلة PLOS One العلمية المرموقة، يرجح الباحثون أن أفراد الحضارة الأشولية المبكرة، وعلى رأسهم فصيلة "الإنسان المنتصب" (Homo erectus)، هم من جلبوا النار إلى داخل الكهف واستخدموها لأغراضهم المعيشية، في واحدة من أقدم الإشارات لسيطرة أجداد البشر على هذه الطاقة الفتاكة.

حماية الطبيعة.. لغز الأعماق المحفوظة بعيداً عن الغابات

يمثل كهف "وندرورك" كنزاً استثنائياً لعلماء الأنثروبولوجيا نظراً لاحتوائه على سجلات بيولوجية وطبقات رسوبية محفوظة بعناية تعود لمليوني سنة. وتكمن الميزة الكبرى لهذا الموقع، بخلاف المواقع الإفريقية المفتوحة والمكشوفة، في أن الأدلة المكتشفة استُخرجت من رواسب تقع على عمق 30 متراً في جحر الكهف.

هذا العمق السحيق يحسم جدلاً علمياً تاريخياً؛ إذ يستحيل معه أن تكون العظام قد تفحمت نتيجة حرائق الغابات الطبيعية أو الصواعق، مما يثبت بشكل قاطع أن التدخل البشري المتعمد هو الذي نقل النيران إلى هذا المكان المعزول.

عظام البوم تفشي السر.. وتقنية جنائية تفك الشفرة

ركز الفريق البحثي دراسته على 161 عظمة متحجرة تعود لثدييات صغيرة، كان الجزء الأكبر منها يخص "بوم الحظائر"، وهي طيور تراكمت فضلاتها وبقايا فرائسها على أرضية الكهف عبر آلاف السنين، وتأثرت حرارياً عندما أشعل الإنسان النار فوقها.

ولإثبات أن هذه العظام قد تعرضت للاحتراق الفعلي ولم تتغير ألوانها بفعل عوامل الزمن والرطوبة، دمج العلماء بين وسيلتين متطورتين:

مطيافية الأشعة تحت الحمراء (FTIR): لتحليل التركيب الجزيئي الدقيق للأحافير.

تقنية الإضاءة الجنائية الحديثة: وهي تقنية مستعارة من عالم الكشف عن الجرائم، تعتمد على تسليط ضوء أزرق خاص عبر مرشحات بصرية لرصد التغيرات الحرارية غير المرئية بالعين المجردة.

ظاهرة التوهج: عند فحص الأحافير تحت هذه المرشحات الجنائية، تتوهج العظام المحترقة حرارياً باللون الأحمر الساطع، بينما تظل العظام السليمة مظلمة تماماً دون أي تفاعل.

ولضمان دقة التجربة، وازن العلماء نتائجهم بمقارنتها مع عظام حديثة أُحرقت مخبرياً، وقطع أثرية محترقة مستخرجة من العصر البرونزي في إسبانيا، وجاءت النتائج متطابقة بالكامل، بالإضافة إلى رصد تجمعات معزولة ومنظمة للبقايا المتفحمة داخل الكهف، مما ينفي تماماً فرضية العشوائية.

مستهلكو نار لا صانعوها

رغم هذا الانتصار العلمي الكبير، يضع علماء الآثار والأنثروبولوجيا خطاً فاصلاً بين "استخدام" النار و"إشعالها"؛ إذ لم تعثر الدراسة حتى الآن على أي دليل يثبت أن الإنسان المنتصب في تلك الحقبة كان يمتلك المعرفة التقنية لتوليد النار بنفسه من الصخور أو الخشب.

والأرجح، وفق التقديرات الحالية، أن البشر الأوائل كانوا يترقبون اندلاع حرائق الغابات الطبيعية الناتجة عن الصواعق، ثم يقومون بـ "الاستيلاء" على جذوات النيران المشتعلة، ونقلها بعناية إلى داخل الكهوف، مع ابتكار طرق بدائية للحفاظ عليها حية ومشتعلة لأطول فترة ممكنة لاستغلالها في التدفئة، الحماية، وطهي الطعام.

تم نسخ الرابط