رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

الألف يوم الذهبية.. كيف تراهن الدولة على بناء الإنسان المصري من المهد؟

تعبيرية
تعبيرية

لم تعد القضية السكانية في مصر مجرد أرقام وإحصاءات ترتبط بمعدلات المواليد والوفيات، بل أصبحت قضية تنموية شاملة تتداخل مع مختلف الملفات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية. 

فكل زيادة سكانية غير مصحوبة بتحسن في الخصائص السكانية وجودة الحياة تفرض تحديات إضافية على جهود التنمية، بينما يمثل الاستثمار في الإنسان الطريق الأقصر نحو بناء مجتمع أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة.

رؤية متكاملة

ومن هذا المنطلق، تتبنى الدولة المصرية رؤية متكاملة تضع الإنسان في قلب عملية التنمية، باعتباره الثروة الحقيقية لأي مجتمع. 

وفي إطار هذه الرؤية، جاءت المبادرة الرئاسية "الألف يوم الذهبية لتنمية الأسرة المصرية" باعتبارها إحدى أهم المبادرات التي تستهدف بناء الإنسان منذ اللحظات الأولى لتكوينه، انطلاقًا من حقيقة علمية تؤكد أن أول ألف يوم من حياة الطفل، بدءًا من الحمل وحتى بلوغه عاميه الأولين، تشكل المرحلة الأكثر تأثيرًا في تكوين قدراته العقلية والجسدية والنفسية.

الاستثمار في الإنسان 

يرى خبراء الصحة والتنمية أن السنوات الأولى من حياة الطفل تمثل نافذة ذهبية لا تتكرر، حيث يتشكل خلالها الجزء الأكبر من نمو الدماغ، وتتأسس القدرات الإدراكية والحركية، كما تتكون ركائز الصحة الجسدية والنفسية التي ترافق الإنسان طوال حياته.

ولذلك تركز المبادرة الرئاسية على توفير الرعاية الصحية والتغذوية للأم خلال فترة الحمل، باعتبار أن صحة الطفل تبدأ من صحة الأم. فالأم التي تتلقى رعاية صحية جيدة ومتابعة منتظمة وتغذية سليمة، تكون أكثر قدرة على إنجاب طفل يتمتع بمعدلات نمو أفضل وفرص أكبر للحياة الصحية والإنتاجية مستقبلاً.

وتعتمد المبادرة على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في تقديم المشورة الأسرية المتكاملة، وتعزيز الولادة الطبيعية والرضاعة الطبيعية، إلى جانب تحسين جودة خدمات وحدات حديثي الولادة وتطوير مهارات الكوادر الطبية العاملة بها.

نحو ولادة آمنة

وفي إطار الجهود المستمرة لتحقيق أهداف المبادرة، شاركت الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، في ورشة عمل "نحو ولادة آمنة"، التي نُظمت بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، وبحضور قيادات وزارة الصحة وعدد من الخبراء وممثلي الجهات المعنية.

وجاءت الورشة تحت مظلة المبادرة الرئاسية "الألف يوم الذهبية"، بهدف دعم الجهود الوطنية الرامية إلى خفض معدلات وفيات الأمهات وحديثي الولادة، وتحسين جودة خدمات الرعاية المقدمة خلال مراحل الحمل والولادة وما بعدها.

وخلال كلمتها، أكدت الدكتورة عبلة الألفي أن الولادة الطبيعية تمثل المسار الفسيولوجي الآمن لعملية الإنجاب، وأن اللجوء إلى الولادة القيصرية يجب أن يظل مقصورًا على الحالات التي تستدعي تدخلاً طبيًا واضحًا.

وأشارت إلى أن مصر شهدت خلال العقود الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الولادات القيصرية، وهو ما استدعى تحركًا مؤسسيًا لوضع سياسات وتشريعات وبرامج تدريبية تسهم في إعادة التوازن بين الولادات الطبيعية والقيصرية، حفاظًا على صحة الأم والطفل وتقليل المضاعفات المرتبطة بالتدخلات الجراحية غير الضرورية.

حماية الأمهات والأطفال

وتسعى وزارة الصحة إلى خفض معدلات الولادات القيصرية غير المبررة من خلال مجموعة من الإجراءات، تشمل إعداد الأدلة الإرشادية الموحدة للممارسات الطبية، وتدريب الأطباء والقابلات على أحدث الأساليب العلمية في متابعة الحمل والولادة، إضافة إلى تطوير مهارات الكوادر الصحية في استخدام "البارتوجرام" لمتابعة مراحل الولادة بصورة دقيقة.

كما تولي الوزارة اهتمامًا خاصًا بما يُعرف بـ"الساعة الذهبية" الأولى بعد الولادة، وهي الفترة التي تلي خروج الطفل مباشرة، حيث يتم خلالها تعزيز التواصل المبكر بين الأم ورضيعها وتشجيع الرضاعة الطبيعية، لما لذلك من آثار إيجابية على صحة الطرفين.

وتندرج هذه الجهود ضمن الاستراتيجية الوطنية لدعم الولادات الطبيعية، التي تتكامل مع مبادرة "بداية آمنة" وعدد من البرامج الصحية الأخرى الرامية إلى تحسين مؤشرات صحة الأم والطفل في مصر.

استثمار طويل الأجل

لا تقتصر أهداف المبادرة على تحسين خدمات الولادة فقط، بل تمتد إلى دعم الرضاعة الطبيعية باعتبارها أحد أهم الاستثمارات الصحية والاقتصادية طويلة المدى.

فالدراسات العالمية تؤكد أن الأطفال الذين يحصلون على الرضاعة الطبيعية خلال الأشهر الأولى من حياتهم يتمتعون بمناعة أقوى وفرص أفضل للنمو السليم، كما تنخفض لديهم معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة مستقبلاً. وفي الوقت نفسه، تحقق الرضاعة الطبيعية فوائد صحية ونفسية للأم، وتسهم في خفض الإنفاق الصحي على الأسرة والدولة.

ومن هنا، تسعى المبادرة إلى نشر الوعي بأهمية الرضاعة الطبيعية وتوفير الدعم اللازم للأمهات من خلال فرق الرعاية الصحية ووحدات المشورة الأسرية المنتشرة في مختلف المحافظات.

تطوير خدمات حديثي الولادة

ويمثل تحسين جودة خدمات حديثي الولادة أحد المحاور الأساسية للمبادرة، حيث تعمل وزارة الصحة على تطوير وحدات الرعاية الخاصة بالأطفال حديثي الولادة ورفع كفاءة تجهيزاتها، إلى جانب التدريب المستمر للأطقم الطبية والتمريضية.

وتهدف هذه الجهود إلى تعزيز فرص بقاء الأطفال على قيد الحياة، خاصة المبتسرين وذوي الحالات الحرجة، وتقليل المضاعفات الصحية التي قد تؤثر على نموهم مستقبلاً.

القبالة المهنية

وشهدت ورشة "نحو ولادة آمنة" مناقشات موسعة حول تطوير خدمات القبالة المهنية في مصر، باعتبارها من الركائز الأساسية لتحسين نتائج الحمل والولادة.

وأكد المشاركون أهمية توسيع دور القابلات المؤهلات، والاستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال، ووضع أطر تنظيمية وتشريعية واضحة لممارسة المهنة، بما يضمن تقديم خدمات آمنة وعالية الجودة للأمهات والأطفال.

كما ناقشت الورشة الاستراتيجية الوطنية للقبالة ونماذج الرعاية الحديثة، إضافة إلى المبادئ التوجيهية للممارسات الآمنة أثناء الحمل والولادة، وانتهت إلى مجموعة من التوصيات العملية وخطة عمل تستهدف تطوير منظومة الرعاية الصحية للأم والطفل خلال السنوات المقبلة.

الإنسان أولاً

ويؤكد المتابعون أن المبادرة الرئاسية "الألف يوم الذهبية" تتجاوز المفهوم التقليدي للرعاية الصحية، لتصبح مشروعًا وطنيًا لبناء الإنسان المصري منذ بداية حياته. فالهدف النهائي لا يقتصر على خفض معدلات الوفيات أو تحسين المؤشرات الصحية، وإنما يمتد إلى إعداد أجيال أكثر صحة وتعليمًا وقدرة على الإبداع والإنتاج.

فكل طفل يحصل على تغذية سليمة ورعاية صحية جيدة وفرصة للنمو الآمن خلال سنواته الأولى، يصبح أكثر قدرة على التعلم والعمل والمشاركة في بناء المجتمع مستقبلاً. ومن هنا، فإن الاستثمار في الألف يوم الأولى من حياة الطفل يعد استثمارًا مباشرًا في مستقبل مصر، وفي تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تضع الإنسان في مقدمة أولوياتها.

وبينما تواصل الدولة جهودها لتحسين الخصائص السكانية وتعزيز جودة الحياة، تظل مبادرة "الألف يوم الذهبية" نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل الرعاية الصحية إلى مشروع تنموي متكامل، يبدأ من الأم والطفل، وينتهي ببناء مجتمع أكثر صحة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

تم نسخ الرابط