رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ما الذي ينبغي أن يتصف به الحجاج بعد رجوعهم؟ وزير الأوقاف يجيب

 أسامة الأزهري وزير
أسامة الأزهري وزير الأوقاف

قال  أسامة الأزهري وزير الأوقاف إن موسم الحج يترك في نفوس المؤمنين آثارًا روحية عميقة، تتطلب الاستقامة والمداومة على الطاعة والتحلي بالخلق النبوي، ومع إطلالة العام الهجري الجديد تتجدد النوايا لترتيب الأولويات وإدارة الأوقات بفاعلية، إلى جانب تعزيز قيم الانتماء وحب الوطن كجزء أصيل من الفطرة السليمة والمقاصد الشرعية النبيلة.

 

مشاعر حجاج بيت الله الحرام بعد أداء المناسك

في خواتيم شهر ذي الحجة، وعقب انقضاء موسم الحج الأعظم وعودة حجاج بيت الله الحرام إلى ديارهم آمنين، يجدر بنا التوقف لتحليل هذا المشهد المهيب، واستكشاف الآثار والمعاني النبيلة، والانفعالات الروحية التي تحركها فريضة الحج في نفسية الإنسان.

وعلى رأس هؤلاء الناس يأتي الحاج الذي تنعَّمَ بمعايشة المشاعر والمناسك في البيت الحرام وما حوله من مشاعر الحج المعظمة، فعندما يذهب الإنسان إلى هناك ليعيش هذه التجربة الروحانية، ويتلقى في فؤاده جرعة عالية من السكينة، ويعظم شعائر الله، ويتعلق بالبيت الحرام، ويطوف بين الصفا والمروة، ويسعى حول البيت، ويقف بجبل عرفات، تتساءل ما هي مجموعة المعاني التي تتحرك في نفسية الحاج؟ وثم السؤال الأهم: ما الذي ينبغي أن يتصف به حجاج بيت الله الحرام بعد رجوعهم من فريضة الحج؟

 

استقبال العام الهجري الجديد وتجديد النية

وما إن ينقضي موسم الحج وتُختتم أعماله، حتى تتهيأ القلوب لاستقبال عام هجري جديد بغرة شهر المحرم، وهنا تتجاذب الإنسان مشاعرُ متباينة؛ بين الشجن على عام مضى، استودع فيه أعماله ونجاحاته أو حتى إخفاقاته، وبين الأمل وتجدد الهمة لاستقبال عام جديد، متضرعًا إلى الله أن يتجاوز عمّا سلف، فالحقيقة أن الإنسان تكون مشاعره مشتتة جدًّا، ومفرقة بين الأسى والشجن على عام من العمر قد اكتمل ومضى وختم وفارقناه وودعناه ومضى إلى الله، فقد استودعنا الله فيه كل ما يسره الله لنا في تلك السنة الماضية من أعمال وإنجازات، وملفات نجاح، وعلاقات بنيت، ووجوه معيشة قام بها الإنسان، أو إخفاقات، أو آلام، أو أحزان، أو آمال كان الإنسان يأمل أن يحققها خلال السنة الماضية ولم تتم، فالإنسان مفرق ومشتت ما بين الأشجان التي تملأ الإنسان على عام كامل من العمر قد انقضى، وبين شعور آخر تمامًا من تجدد الهمة وامتلاء الإنسان بالأمل والعزيمة التي تملأ وعيه وهو يستقبل عامًا هجريًّا جديدًا، فما بين وداع عام قد مضى واستقبال عام جديد يأتي، يقف الإنسان وهو ممتلئ بالرجاء في رب العالمين، والأمل العظيم والانطراح بين يدي المولى أن يتجاوز ربنا عما مضى، ويتقبل ما مضى من العمر بقبول حسن، وأن يكتب ربنا الهمة والتوفيق والسداد فيما هو قادم من العمر وفيما بقي منه، إذن نحن اليوم نريد أن نشير إلى قضية الحج، ومجموعة القيم والمعاني التي يرجع بها الإنسان، ونريد أن نشير إلى ما ينبغي على الإنسان وهو يودع عامًا مضى ويستقبل عامًا جديدًا قادمًا.

 

ماذا بعد فريضة الحج؟ ثلاث مهام أساسية للحاج

بالنسبة لقضية الحج، أهل العلم وأهل الله يقولون: إن الإنسان الحاج عندما ينهي الحج وتتم المناسك ويتحلل منها، يبدأ في التطلع لثلاثة أمور؛

أولًا: أنه بعد تمام المناسك يزور المدينة المنورة، ويزور المرقد والمشهد النبوي العظيم، قبر المصطفى  وروضته العظيمة -الروضة المشرفة-، يقوم بهذه الزيارة للجناب النبوي المعظم بكل ما تمثله في نفس الإنسان من ارتباط عظيم وحب، ومشاعر تبجيل وتعظيم وإيمان وتصديق لسيدنا ومولانا محمد، إذن بعد تمام مناسك الحج تأتي قضية الزيارة، ثم يأتي التشوق للرجوع إلى الوطن وما تحركه قضية الوطن في نفس الإنسان من الاشتياق إلى الأوطان، والنزوع إليها والميل الجارف إلى الوطن، وتقدير قيمة الوطن في نظر الشريعة وفي نظر الفطرة السليمة، ثم بعد ذلك الاستقامة والمداومة على الطاعة بعد انقضاء أعمال الحج، إذن المهمة الأولى هي زيارة الجناب النبوي المعظم والنزول إلى المدينة المنورة والتنعم بروضتها الشريفة التي هي جزء من جنات النعيم، والوقوف في موقف السلام والتحية والتوقير لجناب سيدنا ومولانا محمد ﷺ، 

وثانيًا: العودة إلى الوطن، وقضية الوطن، وتوقير وتبجيل وتعظيم قضية الوطن في وجدان الإنسان. 

وثالثًا: المداومة على الطاعة، والاستقامة مع رب العالمين، وكيف أن الحاج الذي يرجع من البيت الحرام ينبغي أن يرى الناس فيه تغيرًا شاملًا في حياته، وتغيرًا كاملًا في سلوكيات هذا الإنسان، في طريقته، وفي أسلوبه، وفي كلامه، وفي روحه، وفي نفسيته، وفي طريقة التعامل مع الأسرة والبيت والجيران والناس والزملاء في العمل، حيث ينبغي أن يكون بالفعل إنسانًا رجع من الحج كيوم ولدته أمه.

 

التدين الفطري للإنسان المصري شهادة تاريخية من أحمد لطفي السيد

في سياق الحديث عن مكانة الجناب النبوي الشريف، يجدر بنا التوقف أمام نصٍّ فريد ونفيس، لطالما حرّك الوجدان وأثار الشجون؛ نصٍّ صاغه أحد أبرز الرموز الوطنية والمفكرين الكبار، وهو أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، وهو أستاذ كبير، يرى فيه بعض المتدينين أنه كان شخصًا ميالًا إلى رفض فكرة التدين مثلًا، أو أنه رافض للفكرة الدينية، أو أنه نموذج علماني متطرف في علمانيته، هكذا يراه البعض؛ لكن في الحقيقة عندما رجعت لقراءة قصة حياة هذا الرجل، استفدت منها استفادة عظيمة جدًّا، ووجدت فيها نصًا نفيسًا جدًّا وهو يتكلم عن زيارته للمصطفى بعد أداء مناسك الحج، ورأيت مقدار العاطفة العجيبة والمشاعر الجارفة الفياضة وهو يصف ما كان يدور في خاطره وهو يزور الجناب النبوي المعظم، مما يؤكد قضية مهمة؛ وهي أن الإنسان المصري مهما بدت في مظاهر فكره أو سلوكياته أنه بعيد عن فكرة التدين، تظل فكرة التدين عميقة جدًّا في نفسه، وكامنة في أعماقه إلى حد بعيد، ومن العجيب أن بعض الصفحات وبعض الشخصيات على وسائل التواصل الاجتماعي في خلال الشهور والسنوات الماضية كانت تقف عند كلمة الإنسان المصري متدين بطبعه، وكانوا يتناولونها بشيء من السخرية، ويأتي الواحد منهم متذرعا بقضية فساد أو قضية تحرش ويكتب ساخرا "وهو متدين بطبعه!" يعني: متدين بطبعه وهو إنسان تجد فيه تحرشًا وما أشبه.

وقد كان لي تحليل لهذه القضية: وهو أن الإنسان المصري بلا شك متدين بطبعه، ويجب أن نعدل هذه العبارة لكي نحمي نمط تدين المصريين من طريقة الإخوان والدواعش والسلفيين ونماذج التطرف؛ لأنه تراجع، وهذا النمط من التدين مدمر للدين والدنيا، فنحن بحاجة لتغيير الجملة أولًا، ونقول: إن الإنسان المصري متدين تدينًا يصنع الحضارة، وثانيًا: كيف نوفق بين هذا الكلام وبين بعض المظاهر التي تبدو شديدة البعد عن التدين والقرب من الله؟ نجمع بينهم ونوفق بينهم بأن نقول: الإنسان المصري حتى ولو كان في الظاهر بعيدًا عن ربه، ويتورط في الرشوة، أو يتورط في التحرش وما أشبه، لكن في وقت الشدة وفي وقت الضيق في لحظة معينة تجد هذا الإنسان يفر إلى رب العالمين، فإذا شعر هذا الإنسان أنه قد نزلت به ضائقة وجاءته رسالة شديدة من الله، وإذا شعر أنه نزلت به مصيبة أو كارثة من الكوارث، فورًا تجده يرجع مرة أخرى ليمسك المصحف الشريف، أو يرفع يديه سائلا رب العالمين، ويتضرع إلى الله تعالى في الدعاء، وهنا أريد أن أقول إنه يبقى في أعماق نفسية الإنسان المصري صلة برب العالمين، ويبقى الباب مفتوحا مع الله سبحانه وتعالى.

 

زيارة الجناب النبوي المعظم ونفحات الروضة المشرفة

ولنتأمل معًا هذا المقطع العجيب والمؤثر جدًّا من أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد في مذكراته التي سماها (قصة حياتي) المنشورة في منشورات دار الهلال في صفحة ١٢٤ في مقام الرسول، حيث يقول: "لا أريد في الحديث عن زيارتي للمدينة المنورة أن أتصدى لوصف معاهدها قديمها وحديثها، ولا أخوض في وصف الحرم المدني والحجرة الشريفة، ولا أنقل طرفًا من العادات، لأني إذا فعلت لا أكون إلا مكررًا لما ذكره الأستاذ الفاضل/ لبيب البتنوني في رحلته المعروفة، غير أني أنقل هاهنا بعض ما شعرت به نفسي في مقام الرسول محمد فأقول: متى خرج المسافر من تبوك مستقبلًا الحجاز، موجهًا وجهه نحو المدينة المنورة موطن الهجرة ومهبط الوحي ومقام الرسول، تنفعل نفسه بانفعالات شتى؛ مرجعها إلى طبيعة الأرض التي يمر فيها من تبوك إلى مدائن صالح إلى المدينة المنورة، سهول قليلة مجدبة وجبال كثيرة جرد مختلف ألوانها، لا ترى عليها شجرًا قائمًا ولا نبتًا ولا طائرًا ولا شيء إلا الفضاء والسكون، منها جبال حمر وسود وزرق ضاربة إلى الخضرة، كلها موحشة"

ثم يقول: "وإن تجردت هذه الجبال عن جمال الطبيعة المعروف لدينا، والمصطلح عليه بيننا كجهات دمشق ومزارع سهل البقاع أو مختلف مناظر لبنان، فقد بقي لها من الطبيعة جلال، ولا شك في أن الجلال قد يكون له في النفس ما يفضل أثر الجمال؛ لتعطيك هذه الطبيعة الجرداء المهيبة كبار الصعوبات التي لاقاها النبي العربي محمد بن عبد الله في سبيل القيام بتبليغ رسالته في هذه المناطق المترامية الأطراف العظيمة، ذات المياه النادرة والعشب، الكثيرة الجبال، فإذا وصلت إلى مدخل المدينة تكتنفها الجبال، ولاحظت على الشمال دار عثمان بن عفان، ثم رأيت مقام سيدنا حمزة تحت جبل أحد على قرب من مصرعه، ثم أشرفت على المدينة ورأيت القبة الخضراء المضروبة فوق مقام المصطفى، ثار في نفسك ثائر ذكرى ذلك المجد العربي القديم، وأشرق على روحك نور تلك المبادئ الشريفة، التي كان هذا الحرم مهدها ومصدر إشعاعها على أطراف العالم من أقصاه إلى أقصاه، هنالك تعذر الذين يقولون: رأينا النور من المدينة فوق القبة الخضراء يشق طبقات الهواء إلى السماء، ولم نر ذلك النور الحسي بالعين الباصرة، ولكن هناك نور لا يحتاج في انبعاثه إلى هواء يحرك ذراته وينقلها، ولا إلى أجسام ينعكس عليها نور العلم والفضل، هو نور الهدى، إنهم لا يرون نورًا حسيًّا كما يقال، ولكنهم يرون نور الهدى يسعى بين أيديهم ﴿یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَاۤۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡء قَدِیر﴾ [التحريم: ٨]، ودخلنا الحرم المدني لأول مرة من باب السلام في زحام الزائرين مختلفي اللغات والألوان والأزياء والأجناس، دخلنا ذلك الفناء الرحب، فناء الرجل العظيم، والنبي الكريم، والرسول الأمين، فما هي إلا نظرة إلى ما نحن فيه، وتذكرة لما مضى من الأثر؛ حتى يمتلئ القلب هيبة من الحضرة العالية، ويأخذ النفس الخضوع؛ حتى يبتل الجبين عرقًا من الوقوف أمام مقام من لا يطاوله في مجده مطاول، ولا يضارعه في مقامه واحد من بني حواء، فكلهم سواسية لديه، سواء مغترف من بحر علمه ومستنير بهديه، أو معترف له بذاته ورفعة مقامه، فالذين آمنوا بسيدنا محمد وما أنزل عليه يرونه بحق سيد الخلق على الإطلاق، والذين لم يؤمنوا لا يجادلون في أنه الرجل كل الرجل فضلًا وكرمًا، والشارع الحكيم أحاط بالعظائم والدقائق من أحوال الناس، والشجاع عديم المثال، هاجر إلى المدينة وهو لا يملك من الدنيا إلا نفسه وصحبه صديقه، وهو على هذه الحال في تلك البلاد المجدبة وبين الأعراب في حال الانفصال، وعلى هذه الحال قد أخاف الأكاسرة الجبابرة أصحاب الأموال والعروش والجنود الممتلكين للقوة بكل أسبابها، ولم يكن له مما في أيديهم شيء، ولكن الله آتاه العلم والحكمة والنبوة والرسالة، فكان له النصر، وما النصر إلا من عند الله".

 

رسالة النبي محمد وأثرها في بناء الحضارة والأخلاق

فالحاج إذا انتهى من مناسكه، وتوجه إلى المدينة المنورة؛ امتلأ قلبه إيمانًا وحبًّا وتبجيلًا وتوقيرًا وتعظيمًا لمقام سيدنا ومولانا محمد، ويتعلم من هذا معنى مهم، وهو أن الجناب النبوي المعظم سيدنا ومولانا محمد جاء من عند الله تعالى بالهدى والنور وبالدين الحق ليظهره الله تعالى على الدين كله، وجاء بالشرائع والأحكام، وجاء بالقيم والآداب، وجاء رحمة للعالمين وجاء ختامًا للنبوات والمرسلين، وجعله الله تعالى نورًا ممدودًا بين السماء والأرض، وأيده الله تعالى بالمعجزات الباهرة، وأنزل عليه القرآن العظيم، وأنطق لسانه بالحكمة والسنة المشرفة المشرقة، والمبينة لما في القرآن العظيم، حيث جاء فعلم الدنيا معنى النور، ومعنى الجمال «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، ومعنى الأخلاق والحضارة، ومعنى العمران، ومعنى العناية بالحرف والمهن، ومعنى إكرام الإنسان، ومعنى جبر الخواطر، ومعنى بر الوالدين، ومعنى حسن الجوار، ومعنى حسن العشرة في الحياة الزوجية بين الناس، وأن يكف الإنسان عن العنف، وأن يكف الإنسان عن سوء وفحش القول، وأن يكون الإنسان إنسانًا رحيمًا، إنسانًا رفيع الخلق، إنسانًا ممتلئًا بالتهذيب ودماثة الخلق ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیم﴾ [القلم: ٤]، «أَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا».

 

حب الوطن في الإسلام: بين الشريعة والفطرة الإنسانية

حسنًا، حين يتم ربنا للإنسان هذه المكارم وهذه المعاني؛ يتحرك في قلبه معنى آخر شريف ولطيف، ومعنى رفيع وسماوي، وهو التشوق إلى الوطن، مما يبرز عظم مكانة الوطن وقيمة الوطن في عرف الشريعة، وفي عرف الوجدان الصحيح، وفي عرف الإنسان السوي صاحب العقل المستقيم، صاحب الخلق السليم، فقضية الوطن تعرضت على مدى العهود والسنوات الماضية لتشويه شديد، واستهداف هائل على يد الإخوان، وعلى يد الدواعش، وعلى يد القاعدة، وعلى يد التيارات السلفية، وعلى يد التيارات المتطرفة عمومًا، نالوا من قضية الوطن، وبدأت تخرج تلك التيارات شبهات من أفكار تشوه قيمة الوطن وتنال منها.

ولما رجعت أقرأ كلام علمائنا من أئمتنا الأكابر -أئمة العلم والهدى- على مدى ١٤٠٠ سنة، وقبل أن تظهر تلك التيارات، كيف نظروا لقضية الوطن؟ وجدت أنه حين يتحرك الإنسان إلى الحج، ويبدأ في تجهيز حقائبه ويودع أهله ويبدأ في الانطلاق إلى الأراضي المقدسة، يقول الإمام الكبير شهاب الدين القرافي أحمد بن إدريس -من أعظم فقهاء السادة المالكية ومن أعظم فقهاء مصر- في كتاب له في فقه السادة المالكية، وهو يتكلم عن الحج فيقول لك: من مقاصد الحج في المعنى اللطيف، كيف أن الشعائر والفرائض الإلهية تحرك في النفوس الأبية والنزيهة والنبيلة معاني الانتماء إلى الوطن، والحنين إليه، وتبجيل الوطن وتقديره، فقال الإمام القرافي ما نصه: "ومن مقاصد الحج تهذيب الأنفس بمشقة فراق الوطن"، يعني هذا الإمام الفقيه الجليل قبل أن يبدأ في الكلام عن أحكام الحج وأركانه وسننه ومحظوراته وآدابه، بدأ يلتفت إلى معنى تربوي عميق، وهو أن الله عز وجل يريد أن ينتزع الإنسان انتزاعًا من وطنه، ويخرجه إلى بيته الحرام؛ فيتذكر الإنسان معنى الغربة، ويتألم لمعنى فراق الوطن، فبمجرد أن تنقضي مناسك الحج، يعود الإنسان إلى وطنه مشتاقًا معترفًا للوطن بالقيمة، مدركًا عمق معاني الوطن في النفوس.

ولا ننسى كذلك ملحظًا آخر في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه، وابن حبان في الصحيح، من حديث سيدنا أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا، مِنْ حُبِّهَا»، فسيدنا الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني إمام المحدثين في مصر قبل خمسة قرون ونصف من الآن يقف عند هذا الحديث ليقول لك: إن في هذا الحديث دليلًا على مشروعية حب الوطن والحنين إليه، والحافظ ابن حجر في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري يقول معنى لطيفًا وعجيبًا جدًّا، يقول: إذا كانت الحية تخرج من جحرها -الحية الثعبان يخرج من جحره يصطاد أو يتقوت أو يأكل ثم يعود إلى جحره حتى ضرب به المثل- يقول إن الإيمان ليأرز (يرجع ويعود) إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها، فنجد عند هذا النوع من أجناس الوجود، وعند هذا الكائن من كائنات الوجود، نجد إدراكا لمعنى الحنين، وأنه يأوي ويرجع، ويعود إلى جحره ووكره الذي خرج منه، والذي هو وطنه، ونجد المعنى ذاته في حق الطيور التي تخرج في الصباح من الأشجار وتنتشر في جو السماء وتطير إلى مسافات وأبعدها إلى أن يأتي آخر اليوم فتعود إلى نفس العش الذي خرجت منه، والأسد إذا خرج من عرينه يعود إليه، والنحل إذا خرج من خليته يعود إليه، والنملة إذا خرجت من بيتها تعود إليها.

فانظر إلى هذا الكلام الجليل من الحافظ ابن حجر، لما استعرض هذه المعاني كان يريد أن يقول: إن قضية التعلق بالوطن والبر للوطن ليست مجرد أمر شرعي جاءت به الشريعة، بل هو فطرة موجودة مركوزة في نفوس الكائنات المختلفة، فإذا كانت كل أجناس الوجود تنجذب وتحن وتميل وتأوي وترجع وتهفو إلى موطنها، هل يكون الإنسان أقل قدرًا أو أقل فطرة أو أقل برًّا من تلك الكائنات؟ ويبقى إذن من أعظم مقاصد الحج أن يحرك في نفس الإنسان لاعج الشوق إلى وطنه الذي خرج منه؛ فيرجع إلى وطنه محملًا بقيم الحج، وأنوار الحج، وبقيم المحبة والتعلق والإجلال للجناب النبوي المعظم، فتعمر الأوطان بالمعاني الإيمانية والروحانية التي يتحملها الإنسان في الأراضي المقدسة.

 

الاستقامة بعد الحج: التحلي بالخلق النبوي في المعاملات

وعن الاستقامة بعد الحج.. يا كل حجاج بيت الله الحرام، ويا كل بيت من بيوتنا المصرية الكريمة فيه أحد الحجاج، ويا كل بيت اشتاق إلى البيت الحرام وإن لم يستطع الحج، إن الإنسان يرجع من الحج كيوم ولدته أمه، يعني: غفرت ذنوبه، ويعني: أنه يبدأ صفحة جديدة أو مرحلة جديدة من الحياة، فنحن نريد للإنسان إذا رجع من الحج أن يُشعر الناس بأنه قد حصل تغير كبير في قيمه وفي سلوكياته وفي اختيار ألفاظه، فالناس تقول: كثيرًا ما يكون هذا الإنسان منافقًا، ويمكن لإنسان أن يكون جارحًا في كلامه يسيء للناس بكلامه، وأحيانا يرقى الإنسان في كلامه حتى يقع في القلوب موقعا حسنا، وتستريح النفوس، وتمتلئ أمانًا، وتحبه من كلامه الطيب، فيا كل إنسان حج بيت الله، أو كان متشوقًا إلى الحج ولم يكتب له: عامل الناس بـ الخلق النبوي، وإذا كنت تاجرًا أو كنت سائقًا أو كنت موظفًا أو كنت عاملًا أو كنت فلاحًا أو كنت تعمل في الحافلة أو أي مكان كريم تعمل فيه، إذا ذهبت إلى زيارة البيت الحرام حاجًا أو معتمرًا أو تعلقت به وعرفت قيمته، فلتجعل الناس ترى في سلوكياتك معنى الرقي، فإذا ذهبت لطاعة الله وعدت فعد محملًا بهدية للناس، تتمثل هذه الهدية في طيب القول، وفي حسن اللفظ، وفي الكلام الطيب الذي تسعد به القلوب، وفي التعامل الحسن، وفي صدق المعاملة، وفي لين البيع والشراء، وفي حسن معاملة الزوجة، وفي لطف معاملة الأبناء، وفي الإحسان إلى الجيران، ونرجو من الله تعالى أن يملأ سلوكياتنا بأكملها نورًا وهداية وبصيرة.

 

كيف نستقبل العام الهجري الجديد؟ فقه ترتيب الأولويات وإدارة الوقت

بعد انقضاء الأيام الكريمة، وموسم الحج وعيد الأضحى المبارك، انطوى موسم الحج، وانطوى معه العام الهجري الماضي، لنستقبل غرة المحرم من العام الهجري الجديد، فما الواجب الذي ينبغي أن ننتبه إليه عندما يدخل العام الهجري الجديد؟

كان الإمام أبو الفرج ابن الجوزي من أكابر العلماء وأهل الفضل والعلم والصلاح والولاية، كان رحمه الله واعظ الآفاق في بغداد، وكان عظيم العلم، يقولون: إنه ترك للأمة ألف كتاب من تأليفه، من بينها كتاب عجيب اسمه "لفتة الكبد إلى نصيحة الولد" يعني: وصية ونصيحة إلى ابنه الذي يحب له وللجيل الجديد أن يكون ممتلئًا بالحكمة والحياة السعيدة، فقام الإمام ابن الجوزي في كتابه هذا ليقول لابنه: "يَا بُنَيَّ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ نَفَسٍ تَتَنَفَّسُهُ خِزَانَةٌ تَمْضِي، وَإِذَا لَمْ تُعَمِّرْهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، اُنْظُرْ كَمْ عَدَدُ الْخَزَائِنِ الْفَارِغَةِ الَّتِي تَجِدُهَا فَارِغَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَنَالُ حَسْرَتَهَا"، فالعبرة بمجرد النفس، وكل نفس يتنفسه الإنسان، أهل الجد وأهل الهمم يقولون لك: إن كل نفس خزانة، إما أن تملؤوا هذه الخزانة بالدرر واليواقيت والجواهر، فكل يوم القيامة تُدخر لكم، ويشهد لكم كل يوم أنكم أودعتم فيه شيئًا ثمينًا تجدونه بين أيديكم، وقد تمر عليكم الأيام والأوقات والثواني والدقائق والشهور والأسابيع والسنوات، وأنتم في حال غفلة لا تعرفون فيم تنقص الأيام، ولا فيم ذهب العمر يذهب، وتأخذكم المفاجأة يوم القيامة حين ترون خزائن الثواني والدقائق والأيام والشهور والأسابيع والسنوات فارغة ليس فيها شيء موضوع، وليس هناك شيء ثمين حُفظ لكم إلى يوم القيامة، ولذلك أمير الشعراء أحمد شوقي أخذ هذا المعنى فقال:

دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ ... إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي

فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا ... فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي

يعني انتبه ودبر لما هو قادم من الأيام، واترك للناس سيرة حسنة، وسلوكًا طيبًا، وذكرى طيبة تذكر الناس فضلك بها دائمًا.

وحين نستفتح العام الهجري الجديد يكون عندنا مجموعة من الإجراءات:

الإجراء الأول: ما هي الأعمال المهمة التي ينبغي أن أعتني بإنجازها في العام الهجري الجديد؟ لأن علماء وخبراء الإدارة يقولون: إن الإنسان منا يجب أن ينظم كل الأعمال التي يقوم بها في يومه، ويرتبها على أربعة أقسام: الأعمال التي تسمى بالمهم العاجل، والقسم الثاني: العاجل غير المهم، والقسم الثالث: المهم غير العاجل، والقسم الرابع: ما ليس بعاجل ولا مهم فيكون الانشغال به تضييعًا للوقت

أما الأشياء التي يمكن أن تندرج تحت بند المهم العاجل: فهي كأن تنهي رسالة الدكتوراة، أو ترتب لكي تتزوج، أو ترتب لكي تشتري سيارة أو قطعة أرض، أو ترتب لكي تزوج البنت، أو ترتب لكي يأخذ الولد بعثة في الخارج لكي يتعلم تعليمًا رفيع المستوى، فترتب حياتك على ماذا؟ وما الأشياء المهمة جدًا والمفروض أن تضعها على رأس قائمة الأولويات خلال العام القادم، وتستمر على مدى اثني عشر شهرًا وأنت كل يوم تراجع ماذا عملت فيها؟ فنحن نريد أن نرتب الاهتمامات بهذا الشكل

الإجراء الثاني: حين نستفتح عامًا جديدًا، نعقد النية مع الله، ونجدد العزم مع الله على أن العمر الباقي لنا والسنوات القادمة تكون مليئة بالنجاح، ونكون مليئين بالأمل والتفاؤل، وتكون حياة مستقرة وآمنة، ونتعامل سويًا مع الناس بقلوب مليئة بالنبل والعطاء، ونتمكن من اكتساب مهارات جديدة تكون بداية فتح لأبواب جديدة من الخبرة، فتقدم العمر معناه أن الإنسان قد يشيخ جسده، لكن لا تشيخ روحه، ويظل الإنسان إلى آخر العمر ممتلئًا بالهمة والطاقة، وبالشغف بكل جديد في الحياة.

وختامًا، نسأل الله للجميع عمرًا سعيدًا ومديدًا، وعامًا هجريًا جديدًا مباركًا على أرض الكنانة مصر وعلى الأوطان كلها، وكل عام وأنتم بخير.

تم نسخ الرابط