من الرمال إلى الذهب الأصفر.. حكاية مشروع يغير مستقبل الحقول بمصر
حين تقرر الأرض أن تقاوم الجفاف، وتتحول الرمال الصامتة إلى حقول نابضة بالحياة، يصبح الحديث عن الزراعة أكثر من مجرد مشروع إنتاجي، بل معركة وجود تخوضها الدولة من أجل المستقبل.
فوسط التحديات الاقتصادية العالمية وأزمات الغذاء المتلاحقة، لم تعد زراعة المحاصيل الزيتية رفاهية تنموية، بل ضرورة تفرضها معادلة الأمن القومي والغذائي.
ومن هنا، يأتي التوسع في زراعة عباد الشمس الزيتي كواحد من الرهانات الكبرى التي تسعى من خلالها الدولة لتحويل الصحراء إلى مصدر للقوة، وتقليل الاعتماد على الخارج، وفتح أبواب جديدة للاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة.
زراعة المحاصيل الزيتية
ففي وقت تتزايد فيه الضغوط على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، تواصل الدولة المصرية تحركاتها لتقليل الاعتماد على استيراد الزيوت النباتية، عبر التوسع في زراعة المحاصيل الزيتية داخل المناطق الصحراوية، وعلى رأسها محصول عباد الشمس الزيتي، الذي عاد بقوة إلى سيناء ضمن خطة تستهدف زيادة الرقعة الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي.
وفي هذا الإطار، يواصل مركز مركز بحوث الصحراء للعام الثاني على التوالي تنفيذ مشروع دعم زراعة عباد الشمس الزيتي، بعد نجاح التجربة الأولى بمدينة طور سيناء، حيث أطلق المركز 10 حقول إرشادية جديدة بمنطقة جنوب القنطرة شرق، في خطوة تعكس توجهًا حكوميًا واضحًا نحو استغلال الأراضي الصحراوية في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية.
خطة حكومية
تأتي هذه التحركات ضمن توجيهات علاء فاروق، بالتوسع في زراعة المحاصيل الزيتية وتقليل الفجوة الاستيرادية، خاصة أن مصر تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها من زيوت الطعام سنويًا، ما يمثل عبئًا على العملة الأجنبية ويجعل السوق المحلية أكثر تأثرًا بالتقلبات العالمية.
ويؤكد خبراء القطاع الزراعي أن محصول عباد الشمس يعد من أهم المحاصيل الواعدة، نظرًا لارتفاع نسبة الزيت في البذور، وقصر مدة زراعته، وقدرته على التكيف مع الظروف المناخية المختلفة، فضلًا عن إمكانية تحميله على محاصيل صيفية أخرى، بما يرفع كفاءة استغلال الأراضي الزراعية.
تقليل فجوة الزيوت
الدكتور حسام شوقي أوضح أن المشروع لا يقتصر فقط على زراعة الحقول، بل يشمل أيضًا تدريب المزارعين على الممارسات الزراعية الحديثة، وتوفير البذور مجانًا، إلى جانب تعريفهم بآليات التسويق التعاقدي لضمان تحقيق عائد اقتصادي مناسب.
وشهد البرنامج تنفيذ دورة تدريبية متخصصة داخل محطة بحوث جنوب القنطرة، تضمنت زراعة حقل نموذجي داخل المحطة، إضافة إلى الحقول الخارجية، بهدف نقل التجربة عمليًا للمزارعين وتشجيعهم على التوسع في زراعة المحصول خلال المواسم المقبلة.
مواجهة أزمة التسويق
واحدة من أبرز العقبات التي تواجه المحاصيل الزيتية في مصر تتمثل في التسويق، وهو ما دفع مركز بحوث الصحراء للاستعانة بخبراء من مركز الزراعة التعاقدية بوزارة الزراعة، لتوعية المزارعين بآليات التعاقد المسبق على المحصول، سواء بسعر الضمان أو بسعر السوق أيهما أعلى.
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد عزت أن دور البرامج البحثية لم يعد مقتصرًا على حل المشكلات الإنتاجية فقط، بل أصبح يمتد إلى توفير حلول اقتصادية وتسويقية تدعم استقرار دخل المزارع وتزيد من إقباله على زراعة المحاصيل الاستراتيجية.
سيناء والتوسع الزراعي
وتسعى الحكومة خلال السنوات الأخيرة إلى تحويل سيناء إلى مركز تنموي وزراعي متكامل، من خلال تنفيذ مشروعات ضخمة للبنية التحتية واستصلاح الأراضي وتطوير نظم الري الحديثة، بالتوازي مع دعم الزراعات التي تحقق قيمة اقتصادية مرتفعة.
ويرى متخصصون أن نجاح تجربة عباد الشمس في جنوب القنطرة وطور سيناء قد يفتح الباب أمام تعميمها في مناطق صحراوية أخرى، خاصة في ظل الحاجة الملحة لزيادة الإنتاج المحلي من الزيوت النباتية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
هل تقترب مصر من الاكتفاء الذاتي؟
ورغم أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الكامل من الزيوت النباتية لا يزال يحتاج إلى سنوات من التوسع الزراعي والصناعي، فإن التوسع في زراعة عباد الشمس وفول الصويا والمحاصيل الزيتية الأخرى يمثل خطوة مهمة على الطريق، خاصة مع دعم الدولة للمزارعين، وتوفير التقاوي المحسنة، والتوسع في نظم الزراعة التعاقدية.
وفي النهاية وبينما تتواصل الجهود الحكومية لزيادة الرقعة الزراعية، تبقى سيناء واحدة من أهم الرهانات لتحقيق طفرة حقيقية في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وتحويل الصحراء إلى مصدر جديد للأمن الغذائي في مصر.
