من الحقل إلى الأسواق العالمية.. رحلة خفية تتحكم في مصير المانجو المصرية
في لحظة يتقاطع فيها التراب مع الاقتصاد، والماء مع المعايير الدولية، لا تعود الزراعة مجرد فعل تقليدي يرتبط بالأرض، بل تتحول إلى لغة دقيقة تقيسها المختبرات وتفسرها الأسواق العالمية؛ فالثمرة التي تبدأ كحبة صغيرة في تربة صحراوية، تمر عبر سلسلة معقدة من العلم والرقابة والمعرفة، قبل أن تصل إلى مستهلك بعيد لا يعرف شيئًا عن القصة التي صنعت مذاقها.

المانجو
وفي هذا السياق، تصبح المانجو أكثر من مجرد محصول؛ إنها نموذج مصغر لعلاقة الإنسان بالأرض في زمن العولمة، حيث لم يعد الإنتاج كافيًا، بل أصبح "الامتثال"، هو الشرط الخفي للعبور إلى العالم؛ قبين المزارع في الإسماعيلية أو أسوان، وبين المختبرات التي تفحص المتبقيات، وبين الموانئ التي تنتظر الشحنات، تتشكل رحلة طويلة تختبر فيها الثمرة قدرتها على النجاة من معايير صارمة بقدر ما تختبر فيها الزراعة قدرتها على التطور.
وهكذا، لا تبدو ورش العمل الفنية مجرد لقاءات إرشادية، بل هي محاولات لإعادة تعريف العلاقة بين المعرفة والإنتاج، بين المزارع والعلم، وبين المحلي والعالمي؛ إنها مساحة يُعاد فيها التفكير في "جودة الطعام" ليس كمسألة ذوق فقط، بل كمسألة بقاء في سوق لا يعترف إلا بما هو آمن، دقيق، وقابل للعبور عبر الحدود.
الإسماعيلية عاصمة المانجو
وفي ذاك الصدد وعلى الرغم من ارتباط اسم الإسماعيلية بلقب "عاصمة المانجو" في مصر، تبرز خريطة الإنتاج امتداد واسع يشمل محافظات ومناطق استراتيجية أخرى، من بينها الشرقية، والجيزة، والفيوم، وغرب النوبارية، فضلًا عن امتداد زراعات واعدة في أسوان وتوشكى، بما يعكس تنوع القاعدة الإنتاجية لهذا المحصول الحيوي.

وبينما تتصدر محافظة الإسماعيلية المشهد الزراعي للمانجو بمساحة تتجاوز 33 ألف فدان، مع إنتاجية مرتفعة تصل إلى نحو 9 أطنان للفدان سنويًا، وهو ما جعلها مركزًا رئيسيًا لإنتاج الأصناف المحلية والعالمية؛ تبرز محافظة الشرقية كإحدى أهم المحافظات الإنتاجية بعد الإسماعيلية، حيث تضم أكثر من 14 صنفًا من المانجو على مساحة تُقدّر بنحو 17 ألف فدان، وتشتهر بأصناف مثل العويسي والسكري والهندي؛ وفي الجيزة، تمتد زراعات المانجو على مساحة تقارب 7665 فدانًا، فيما تسهم الفيوم بنحو 4342 فدانًا بفضل توافر المياه الجوفية والتربة المناسبة، أما غرب النوبارية فتضم أكثر من 11 ألف فدان من الأصناف الموجهة للتصدير مثل الكيت والكنت.
وفي الجنوب، تتميز أسوان، خاصة قرية فارس، بإنتاج مبكر للمحصول على مساحة تقارب 10 آلاف فدان، ما يمنحها ميزة تنافسية في الأسواق.
هذا التنوع الجغرافي والإنتاجي جعل من المانجو المصرية محصولًا استراتيجيًا، حيث تتصدر أصناف مثل "الكيت" و"الكنت" و"التومي" و"الناعومي" مشهد التصدير نظرًا لملاءمتها لعمليات الشحن وطول فترة الصلاحية.
مركز البحوث الزراعية
وفي هذا السياق، نظم المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية، التابع لمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ورشة عمل موسعة بمحافظة الإسماعيلية بعنوان “أهمية متبقيات المبيدات وأثرها على إنتاج وتصدير المانجو في مصر”، وذلك بالتعاون مع جمعية كروب لايف مصر، وبمشاركة الإدارة المركزية للحجر الزراعي والإدارة المركزية للمكافحة، وبالتنسيق مع مديرية الزراعة بالإسماعيلية.

وجاء تنظيم الورشة تنفيذًا لتوجيهات وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق، وتحت إشراف الدكتور عادل عبد العظيم رئيس مركز البحوث الزراعية، في إطار استراتيجية تستهدف دعم المزارعين والمصدرين، ورفع كفاءة منظومة الإنتاج والتصدير من خلال التدريب ونقل المعرفة العلمية والتطبيقية.
الاقتصاد الزراعي المصري
وشهدت الورشة مشاركة واسعة من منتجي ومصدري المانجو، تجاوز عددهم 120 مشاركًا، إلى جانب ممثلي الشركات التصديرية والجمعيات الأهلية وخبراء من مركز البحوث الزراعية وجامعة قناة السويس، ما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا المحصول في الاقتصاد الزراعي المصري.
وأكدت الدكتورة هند عبد اللاه، مدير المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات، أن الورشة تأتي ضمن خطة المعمل للوصول إلى مواقع الإنتاج بالمحافظات، وتقديم الدعم الفني المباشر، بما يسهم في رفع جودة وسلامة المنتجات الزراعية، وتقليل معدلات رفض الشحنات التصديرية في الأسواق العالمية.

وأوضحت أن التركيز على محصول المانجو تحديدًا يعود إلى كونه أحد أهم محاصيل الفاكهة في مصر، حيث تتجاوز المساحة المزروعة به 326 ألف فدان بإنتاج سنوي يقترب من 1.5 مليون طن، بينما بلغت صادراته نحو 125 ألف طن خلال عام 2025، محتلاً المركز الثامن ضمن الصادرات الزراعية الطازجة، وهو ما يعكس فرصًا كبيرة للنمو التصديري.
كما شددت على أن التحدي الأكبر الذي يواجه صادرات المانجو يتمثل في الالتزام بالمعايير الدولية الخاصة بمتبقيات المبيدات، حيث تؤدي بعض الممارسات غير المنضبطة إلى رفض شحنات في الأسواق الخارجية، وهو ما يستدعي تعزيز التوعية والتدريب المستمر للمزارعين والمصدرين.
منظومة التكويد الزراعي
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد المنسي رئيس الإدارة المركزية للحجر الزراعي، أن منظومة التكويد الزراعي أسهمت في تحسين جودة الإنتاج وزيادة القدرة التصديرية، مشيرًا إلى أن الصادرات الزراعية المصرية تصل حاليًا إلى نحو 167 دولة حول العالم.
وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور محمد عطوة مدير مديرية الزراعة بالإسماعيلية، أن المحافظة تمثل قلب الإنتاج الرئيسي للمانجو في مصر، مؤكدًا أهمية الورش التدريبية في رفع كفاءة العاملين وتحسين جودة الإنتاج.
كما أشار ممثل جمعية كروب لايف مصر إلى أن التعاون مع المعمل المركزي يأتي في إطار بروتوكول يهدف إلى نشر الممارسات الزراعية السليمة، وتعزيز الاستخدام المسؤول للمبيدات، بما يدعم قدرة المنتج المصري على المنافسة عالميًا.

التكويد الزراعي
وتناولت الورشة عددًا من المحاور الفنية المهمة، شملت طرق مكافحة الآفات، وآليات تحليل متبقيات المبيدات، والتشريعات الدولية المنظمة للتصدير، إضافة إلى معاملات ما بعد الحصاد، وسحب العينات، وأهمية التكويد الزراعي، ودور الحجر الزراعي في ضمان مطابقة الشحنات للمواصفات الدولية.
وفي ضوء ما تم عرضه، خلصت الورشة إلى مجموعة من التوصيات التي تهدف إلى تحسين جودة الإنتاج، وتعزيز فرص التصدير، وتقليل الفاقد، بما يضمن استدامة قطاع المانجو في مصر، ويدعم مكانته كأحد أهم المحاصيل التصديرية الواعدة في الاقتصاد الزراعي الوطني.



