رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مشروعات بالمليارات.. لماذا تتجه مصر إلى تخزين الكهرباء في قلب الصحراء؟

تعبيرية
تعبيرية

في الأزمنة التي تُعاد فيها كتابة خرائط القوة والتقدم، لم تعد الثروات التقليدية وحدها هي التي تصنع المستقبل، بل أصبحت الطاقة هي اللغة الجديدة التي تتحدث بها الأمم حين تقرر العبور إلى الغد. فالدول التي تُحسن استثمار مصادرها الطبيعية، وتحوّل الرياح والشمس إلى قوة إنتاج وتنمية، هي وحدها القادرة على بناء اقتصاد أكثر صلابة، ومجتمع أكثر استقراراً، ووطن يمتلك قراره في عالم شديد التقلب.

مشروعات الطاقة المتجددة

ولأن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما يُقام من مبانٍ ومشروعات، بل بما تمتلكه الدولة من قدرة على الاستمرار والتجدد، أصبحت مشروعات الطاقة المتجددة تمثل قاطرة المستقبل ومحركه الأساسي؛ فهي ليست مجرد محطات لتوليد الكهرباء، وإنما بوابات واسعة نحو اقتصاد أخضر، وصناعة حديثة، وفرص عمل جديدة، واستقلال أكبر في مواجهة أزمات الطاقة العالمية.

ومن هنا تمضي مصر بخطى متسارعة نحو إعادة صياغة رؤيتها للطاقة، عبر استراتيجية تقوم على تنويع المصادر، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتعظيم الاستفادة من ثرواتها الطبيعية الهائلة من الشمس والرياح.

وفي هذا السياق يأتي توقيع بروتوكول الاتفاق بين شركة «تحيا مصر» القابضة للاستثمار والتنمية ووزارتي الكهرباء والمالية، باعتباره خطوة جديدة تؤكد أن الدولة لا تنظر إلى الطاقة باعتبارها خدمة فقط، بل باعتبارها ركيزة أساسية لبناء الجمهورية الجديدة، وعصباً رئيسياً للتنمية المستدامة، وجسراً تعبر من خلاله مصر نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وتقدماً.

بدأت القصة حينما شهد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، توقيع بروتوكول اتفاق بين شركة "تحيا مصر" القابضة للاستثمار والتنمية، ووزارتي الكهرباء والطاقة المتجددة، والمالية، لتمويل وتنفيذ مجموعة من مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، ضمن خطة الدولة للوصول بنسبة مساهمة الطاقة المتجددة إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول عام 2028.

ويأتي هذا التحرك في إطار تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتوسع المدروس في مشروعات الطاقة النظيفة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلى جانب دعم استقرار الشبكة القومية للكهرباء وضمان استدامة التغذية الكهربائية في مختلف أنحاء الجمهورية.

مشروعات عملاقة

البروتوكول الذي تم توقيعه بحضور كبار المسؤولين يتضمن تنفيذ عدد من المشروعات الاستراتيجية في قطاع الطاقة المتجددة، تشمل إنشاء محطات لطاقة الرياح بقدرة إجمالية تصل إلى 4750 ميجاوات، في عدة مناطق تعد من الأغنى في سرعات الرياح على مستوى الشرق الأوسط، وهي شمال خليج السويس، وجنوب رأس شقير، وجبل الجلالة، وشمال غرب الزعفرانة.

كما يتضمن الاتفاق إنشاء محطات مستقلة لتخزين الطاقة باستخدام البطاريات بقدرة 4000 ميجاوات/ساعة، في مناطق جنوب القاهرة، ودمنهور، ووادي النطرون.

فيما تعد مشروعات تخزين الكهرباء عبر البطاريات من أحدث التقنيات المستخدمة عالمياً لتحقيق استقرار الشبكات الكهربائية التي تعتمد على الطاقة المتجددة، خاصة أن مصادر مثل الرياح والطاقة الشمسية تتسم بالتذبذب في الإنتاج وفقاً للظروف المناخية.

نقطة تحول

خبراء الطاقة يرون أن الاتفاق يمثل نقلة نوعية في استراتيجية مصر للطاقة، ليس فقط بسبب القدرات الضخمة المعلنة، وإنما أيضاً بسبب دمج حلول التخزين الكهربائي مع مشروعات التوليد من المصادر النظيفة.

فالسنوات الماضية شهدت توسعاً ملحوظاً في إنشاء محطات الطاقة الشمسية والرياح، إلا أن التحدي الأكبر كان يتمثل في كيفية تخزين الفائض من الكهرباء المنتجة خلال أوقات الذروة، وإعادة استخدامه عند زيادة الاستهلاك أو انخفاض معدلات التوليد.

ومن هنا تأتي أهمية محطات البطاريات، التي تسمح بتخزين الطاقة الفائضة وضخها لاحقاً للشبكة القومية، بما يضمن استقرار التيار الكهربائي، وكذا تقليل احتمالات الانقطاعات، بالإضافة إلى رفع كفاءة الشبكة الموحدة، وخفض استهلاك الوقود التقليدي، بالإضافة إلى تقليل الانبعاثات الكربونية

التنفيذ خلال عامين

ومن جانبه قال المهندس محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، أكد أن البروتوكول يأتي ضمن خطة الدولة للإسراع في تنفيذ وربط مشروعات الطاقة المتجددة على الشبكة القومية، موضحاً أن شركة "تحيا مصر" القابضة ستتولى توفير التمويل اللازم وتنفيذ المشروعات.

وأشار الوزير إلى أن المحاسبة على الطاقة المنتجة ستكون بالجنيه المصري، وفقاً للأسعار المحاسبية المطبقة مع باقي المطورين، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو تقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في التعاقدات الخاصة بقطاع الطاقة.

وأضاف أن الشركة المصرية لنقل الكهرباء وهيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة ستوقعان الاتفاقيات التنفيذية مع المطور المسؤول عن تنفيذ المشروعات، لافتاً إلى أن المستهدف هو الانتهاء من التنفيذ وربط المشروعات بالشبكة خلال عامين فقط.

القطاع الخاص شريك رئيسي

اللافت في الاتفاق الجديد أنه يعكس استمرار الدولة في فتح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة بقوة في مشروعات الطاقة المتجددة، سواء من خلال التمويل أو التطوير أو التشغيل.

وأكد وزير الكهرباء أن القطاع الخاص يمثل شريكاً رئيسياً في استراتيجية التحول للطاقة النظيفة، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على تهيئة المناخ الاستثماري وتقديم التسهيلات اللازمة لجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.

ويرى مراقبون أن دخول شركة "تحيا مصر" القابضة كممول ومنفذ لهذه المشروعات يعزز من قدرة الدولة على تسريع وتيرة التنفيذ، خاصة مع تزايد الطلب المحلي على الكهرباء، والحاجة إلى توفير مصادر طاقة مستقرة ومستدامة.

سباق مع الزمن

وخلال السنوات الأخيرة، كثفت مصر جهودها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتميز ومواردها الطبيعية الكبيرة من الشمس والرياح.

وكانت أطلقت الدولة عدداً من المشروعات الكبرى، أبرزها مجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان، وكذا محطات الرياح في الزعفرانة وجبل الزيت، ومشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار، بالإضافة إلى التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر

وتسعى الحكومة إلى تحقيق مزيج طاقة أكثر تنوعاً واستدامة، بما يقلل من الضغط على الغاز الطبيعي والوقود التقليدي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة.

أبعاد اقتصادية وبيئية

فيما لا تقتصر أهمية هذه المشروعات على الجانب الكهربائي فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وبيئية واسعة، أبرزها اقتصادياً؛ حيث سيتم تقليل فاتورة استيراد الوقود، وكذا جذب استثمارات أجنبية جديدة، بما يضمن خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، بالإضافة إلى دعم الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة


اما على المستوى البيئي فسيتم خفض انبعاثات الكربون، بالإضافة إلى تحسين جودة الهواء، وكذا الالتزام بالتعهدات الدولية الخاصة بالمناخ، ودعم توجهات التنمية المستدامة

مستقبل الطاقة في مصر

فيما تؤكد المؤشرات الحالية أن مصر تتجه بخطى متسارعة نحو تعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة، مع التركيز على دمج التكنولوجيا الحديثة في إدارة الشبكات الكهربائية، وعلى رأسها أنظمة تخزين الطاقة.

ويرى متخصصون أن نجاح هذه المشروعات سيمثل اختباراً مهماً لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين أمن الطاقة، والاستدامة البيئية، وجذب الاستثمارات، خاصة مع التوقعات بزيادة الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة.

وفي النهاية ومع استمرار تنفيذ المشروعات الجديدة، تبدو مصر أمام مرحلة جديدة قد تجعلها واحدة من أبرز الدول الإقليمية في إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية ورؤيتها الاستراتيجية طويلة المدى.

تم نسخ الرابط