صحراء المنيا تتحول إلى ذهب أبيض.. أسرار أكبر مصنع سكر في العالم
في قلب صحراء غرب المنيا، حيث يمتزج الإنسان مع الطبيعة والصناعة، تتجسد رؤية مصر المستقبلية في مشروع "شركة القناة للسكر" كرمز للتحول العميق في مفهوم الإنتاج والاستدامة؛ هذا المشروع ليس مجرد مصنع أو مزرعة، بل هو فلسفة متكاملة تتجاوز إنتاج السكر إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والأرض والموارد الطبيعية، إنه يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تحويل التحديات الاقتصادية والبيئية إلى فرص تنموية مستدامة؟

الزراعة الذكية
من خلال دمج الزراعة الذكية، والتكنولوجيا الحديثة، وإدارة الموارد المائية، وتحويل المنتجات الثانوية إلى قيمة اقتصادية، يصبح المشروع نموذجًا عمليًا لفكرة أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بالنتائج المادية، بل بمدى قدرة الإنسان على خلق تناغم بين الاقتصاد والمجتمع والطبيعة.

السكر الأبيض
وفي كل طن من السكر الأبيض الممتاز، وفي كل فدان مستصلح من صحراء المنيا، يتجلى هذا الفكر الفلسفي، الذي يجعل من الإنتاج الصناعي والزراعي مسعى أخلاقيًا وعمليًا نحو مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا.
وفي ذاك الصدد وفي خطوة تؤكد حرص الدولة على تعزيز الاكتفاء الذاتي من السكر وتعظيم الاستفادة من الموارد الزراعية والصناعية، عقد رئيس مجلس الوزراء اجتماعًا موسعًا بمقر الحكومة بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمراجعة جهود تطوير صناعة السكر في مصر. الاجتماع تناول بشكل متكامل الخطط الاستراتيجية، والتحديات، والفرص المرتبطة بزراعة قصب البنجر وإنتاج السكر وتصنيعه، ويأتي في إطار سعي الحكومة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وضمان استدامة السلع الاستراتيجية.

اجتماع استراتيجي
شهد الاجتماع حضور كبار المسؤولين والوزراء، إلى جانب قيادات الجهات المعنية بالصناعة والزراعة، حيث تم استعراض البيانات والإحصاءات الخاصة بإنتاج المحاصيل السكرية، والتوسع في زراعة البنجر، وتطوير المصانع القائمة، واستعراض المنتجات الثانوية للقصب والبنجر. وتم التركيز على أربعة أبعاد رئيسية لصناعة السكر في مصر: البعد الاستراتيجي، والبعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد المائي، بهدف تحقيق توازن بين استدامة الموارد وتعظيم العوائد الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار العرض التفصيلي إلى تطور إنتاج السكر محليًا، ومقارنته بالمستوى العالمي، ومستويات الاستهلاك، والأسعار العالمية، وقيمة واردات مصر، ومتوسط إنتاجية الفدان للقصب والبنجر. كما تم تناول المنتجات الثانوية للصناعة، والتي تشمل المولاس، والعلف الحيواني، والإيثانول، والخميرة، والأسمدة الحيوية والطبية، والغاز الغذائي، والخل الطبيعي، وحامض الفوليك، والمذيبات العضوية، والعسل المحوّل، بالإضافة إلى منتجات الخشب واللب والورق و(MDF)، وكلها تساهم في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير موارد إضافية.

تعظيم الإنتاج والكفاءة
خلال الاجتماع، تم الاتفاق على ضرورة تكثيف العمل لرفع معدلات إنتاجية الفدان من قصب السكر، واستنباط أصناف وتقاوي جديدة عالية الجودة والإنتاجية، فضلًا عن وضع تصور شامل لتقييم الوضع الحالي لجميع مصانع السكر القائمة، لتحديد مدى حاجتها لإعادة التأهيل والتحديث الهيكلي، بما يضمن رفع الكفاءة التشغيلية وتعظيم الطاقات الإنتاجية، وتحسين الأداء العام للقطاع.

نموذج عملي
في هذا السياق، يمثل مشروع شركة القناة للسكر في غرب المنيا نموذجًا حيًا لإستراتيجية الدولة في دمج الزراعة والصناعة والتقنية الحديثة. المشروع، الذي يعد من أكبر المصانع المتكاملة عالميًا، يعمل بطاقة إنتاجية تصل إلى 36 ألف طن بنجر يوميًا، ويغطي نحو 40% من احتياجاته من البنجر من مزرعة شاسعة تبلغ 181 ألف فدان. كما يعتمد المصنع على تقنيات الزراعة الذكية والري الحديث، وحفر 314 بئراً جوفية، وإنشاء محطة كهرباء بقدرة 350 ميجاوات، وصومعة تخزين مركزية تصل قدرتها إلى مليون طن.

يحول المصنع المخلفات والمنتجات الثانوية إلى موارد اقتصادية مستدامة، مثل المولاس، العلف الحيواني، الإيثانول، الأسمدة الحيوية والطبية، ومواد الخشب واللب والورق، ويستخدم الطاقة الشمسية لتجفيف السكر، بما يعزز البعد البيئي للمشروع، ويدعم الاقتصاد الأخضر في مصر.

فرص العمل والتنمية المحلية
يوفر المشروع آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، ويشارك نحو 20 ألف مزارع من صعيد مصر في منظومة الإمداد بالمادة الخام، مع التركيز على تمكين القوى العاملة المحلية، خصوصًا أبناء محافظة المنيا الذين يمثلون نحو 60% من الكوادر العاملة بالمصنع. كما يشمل المشروع برامج مجتمعية للتنمية ودعم المرأة، ويشارك في تطوير البنية التحتية التعليمية والسياحية، ويعزز البحث العلمي بالتعاون مع جامعة المنيا في مجال الزراعة والصناعة التحويلية.

منظور الدولة
وفي النهاية فالاجتماع أظهر أن الدولة تعمل على تطوير صناعة السكر على مستوى استراتيجي ووطني، يشمل التوسع في الزراعة، وتعظيم الاستفادة من المنتجات الثانوية، وتحديث المصانع القائمة، والتوسع في المصانع الحديثة، لضمان أمن غذائي مستدام، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ورفع الكفاءة الاقتصادية للقطاع. كما تسعى الحكومة لتفعيل دور القطاع الزراعي والصناعي في خلق قيمة مضافة للاقتصاد، مع مراعاة المعايير البيئية وتحقيق التنمية المستدامة.



