رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

الأعلى لتنظيم الإعلام يعاقب قناة الشمس بسبب علامة استفهام.. القصة كاملة

تعبيرية
تعبيرية

في لحظةٍ تتقاطع فيها حرية التعبير مع مسؤولية الكلمة، عاد الجدل مجددًا حول حدود الخطاب الإعلامي في القضايا الاجتماعية الحساسة، بعدما أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرارات تأديبية بحق قناة الشمس على خلفية إحدى حلقات برنامج «علامة استفهام»، التي أثارت موجة واسعة من الانتقادات داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية.
الإعلام بين التأثير والانفلات

فلم يعد الإعلام في العصر الحديث مجرد وسيلة لنقل الخبر أو صناعة الجدل، بل أصبح قوةً اجتماعية قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وصياغة الصورة الذهنية لفئات المجتمع المختلفة. ومن هنا جاءت حساسية القضية التي دفعت المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلى التدخل، بعدما اعتبر أن ما ورد في الحلقة تجاوز حدود الرأي إلى مساحة التحريض والإساءة المجتمعية.

المحامي عصام عجاج

فقد قرر المجلس، برئاسة المهندس خالد عبدالعزيز، الموافقة على توصيات لجنة الشكاوى برئاسة الإعلامي عصام الأمير، بشأن الحلقة التي أذيعت بتاريخ 6 مايو ضمن برنامج «علامة استفهام»، وقدّمها الإعلامي مصعب العباسي، واستضاف خلالها المحامي عصام عجاج.
وجاءت العقوبات على نحوٍ حاسم، حيث تقرر:
فرض غرامة مالية قدرها 50 ألف جنيه على القناة.
منع ظهور المحامي عصام عجاج عبر جميع الوسائل الإعلامية لمدة ثلاثة أشهر.
إلزام إدارة القناة بمراجعة السياسات التحريرية المتعلقة بالمحتوى الاجتماعي والأسري.
لماذا اعتُبرت الحلقة مخالفة؟
بحسب ما انتهت إليه التحقيقات، رصدت الجهات المختصة استخدام عبارات وُصفت بأنها «غير لائقة»، تضمنت إساءة مباشرة للمرأة العاملة، وانتقاصًا من دورها ومكانتها داخل المجتمع والأسرة، فضلًا عن تقديم تصورات عامة اعتبرها المجلس ذات طابع تحريضي ضد الحقوق القانونية للنساء، خاصة في ملفات الأحوال الشخصية.

الطلاق والخلع

ولم يتوقف الأمر عند حدود اللغة المستخدمة، بل امتد – وفق بيان المجلس – إلى تداول أرقام وإحصاءات تتعلق بالطلاق والخلع دون الاستناد إلى مصادر رسمية أو بيانات موثقة، وهو ما اعتبره المجلس إخلالًا بمعايير الدقة المهنية، ومحاولة لتوجيه الرأي العام عبر معلومات غير مدققة.
وهنا تبرز إشكالية أعمق من مجرد «مخالفة إعلامية»؛ إذ يتعلق الأمر بالسؤال الفلسفي القديم المتجدد:
هل يملك الإعلام حق إثارة الجدل بلا قيود، أم أن حرية الكلمة تصبح خطرًا عندما تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز والكراهية؟

المرأة في الخطاب الإعلامي

القضية لم تكن في رأيٍ فردي فحسب، بل في طبيعة الخطاب الذي يُعاد إنتاجه عبر الشاشة. فحين تُقدَّم المرأة العاملة بوصفها سببًا للتفكك الأسري، أو حين تُختزل حقوقها القانونية في صورة تهديد للرجل أو للمجتمع، فإن الإعلام لا ينقل مجرد رأي، بل يشارك في تشكيل وعيٍ جمعي قد يُكرّس التحيز ويمنح الشرعية لخطاب الإقصاء.
لقد أدركت المجتمعات الحديثة أن أخطر أشكال العنف ليس دائمًا ماديًا؛ بل قد يكون لغويًا ورمزيًا، يبدأ بكلمة ساخرة، ثم يتحول تدريجيًا إلى قناعة اجتماعية راسخة. ولهذا تتشدد الهيئات التنظيمية في كثير من دول العالم تجاه المحتوى الذي يمس الكرامة الإنسانية أو يحرّض ضد فئة بعينها.
وفي هذا السياق، رأى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن ما قُدم في الحلقة لا يدخل ضمن حرية النقاش المشروع، بل يتعارض مع الضوابط المهنية.

 تنظيم الصحافة والإعلام

 والأخلاقية المنصوص عليها في قانون تنظيم الصحافة والإعلام، والذي يُلزم المؤسسات الإعلامية باحترام قيم المجتمع وعدم بث خطاب يتضمن تمييزًا أو تحقيرًا أو معلومات مضللة.
ما بعد العقوبة.. هل تكفي القرارات التنظيمية؟
ورغم أهمية العقوبات التأديبية، فإن السؤال الأكبر يبقى مطروحًا:
هل تكفي الغرامات والمنع المؤقت لإصلاح الخلل في الخطاب الإعلامي؟
يرى مراقبون أن الأزمة أعمق من مخالفة فردية؛ فهي ترتبط أحيانًا بثقافة إعلامية تعتمد على الإثارة واستفزاز الجمهور لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، حتى لو كان الثمن هو تعميق الانقسام المجتمعي أو تشويه صورة فئات كاملة داخل المجتمع.
كما تكشف الواقعة عن أزمة أخرى تتعلق بحدود «الخبير الإعلامي»؛ إذ باتت بعض المنصات تستضيف أشخاصًا يقدمون آراء حادة في قضايا اجتماعية معقدة دون تدقيق كافٍ في مدى التزام الطرح بالمعايير المهنية أو الحقوقية أو العلمية.

الإعلام كمسؤولية حضارية

في النهاية، لا يمكن اختزال القضية في غرامة أو قرار منع ظهور، لأن المسألة في جوهرها ترتبط بفلسفة الإعلام ذاته:
هل الإعلام مساحة للوعي أم مجرد سوق للصخب؟
فالكلمة التي تُقال على الشاشة لا تختفي بانتهاء الحلقة، بل تظل حاضرة في الوعي العام، تُعيد تشكيل الأفكار والمواقف والعلاقات الاجتماعية. ومن هنا تصبح المسؤولية الإعلامية مسؤولية حضارية، لا تقل أهمية عن أي تشريع أو مؤسسة.
إن المجتمعات لا تُقاس فقط بحرية التعبير التي تملكها، بل أيضًا بقدرتها على حماية الكرامة الإنسانية من التشويه، وصون النقاش العام من الانحدار إلى خطاب يهدم التماسك الاجتماعي تحت لافتة «الرأي الشخصي».

تم نسخ الرابط