سجون عائمة للأوبئة.. كورونا وهانتا تجدد لعنة الطاعون في عرض البحر
تعود السفن السياحية والعسكرية مجدداً إلى دائرة الضوء، ليس كملاذات ترفيهية أو قطع حربية، بل كـ"بؤر مغلقة" قادرة على بعث مخاوف صحية عالمية عابرة للحدود.
فمنذ القرن الرابع عشر حين نقلت السفن التجارية "الموت الأسود" (الطاعون الدملي) إلى قلب أوروبا ليتسبب في أفتك كارثة بشرية، لا يزال التاريخ يعيد نفسه في عرض البحر، مهدداً بنقل الفيروسات من عمق المحيطات إلى اليابسة.
حصار في بوردو.. الرعب يتجدد
شهد هذا الأسبوع استنفاراً صحياً بالغاً بعد احتجاز أكثر من 1700 مسافر على متن سفينة سياحية راسية في مدينة بوردو الفرنسية. وجاء القرار بعد وفاة راكب مسن إثر نوبة قلبية، تزامنت مع ظهور أعراض اضطرابات معوية حادة على عشرات الركاب.
ورغم أن الفحوصات الأولية استبعدت الإصابة بفيروس "نورو" الشهير تاريخياً بنشاطه على السفن، ونفت السلطات وجود صلة بفيروس "هانتا"، إلا أن الحادثة سلطت الضوء على هشاشة الأمن الصحي داخل هذه البيئات.
تفشي "هانتا" النادر.. عزل ممتد عبر القارات
جاءت حادثة بوردو في وقت لم يفق فيه العالم بعد من صدمة تفشٍّ نادر لفيروس "هانتا" (سلالة الأنديز) على متن سفينة الرحلات "إم في هونديوس"، والذي أسفر عن وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة سبعة آخرين على الأقل.
هذا التفشي وضع مسافرين من جنسيات متعددة تحت مقصلة الحجر الصحي والعزل الذاتي فور عودتهم لبلدانهم، بعد أن أظهرت الأبحاث أن هذه السلالة قد تنتقل عبر الرذاذ المتطاير في الهواء. ورغم تحفظ سلطات جزر الكناري في البداية على استقبال السفينة، وطمأنة منظمة الصحة العالمية بعدم وجود مؤشرات لتحول الوضع إلى وباء عالمي، إلا أن الاستنفار ظل سيد الموقف.
لماذا تعتبر السفن "البيئة المثالية" للفيروسات؟
يوضح جان بيير أوفريه، الرئيس الفخري للجمعية الفرنسية للطب البحري، المعضلة التشريحية والاجتماعية للسفن عبر نقطتين:
الاحتكاك المكثف: السفن عبارة عن بيئات مغلقة تماماً تشهد احتكاكاً مستمراً ومباشراً بين الركاب وأفراد الطواقم في مساحات ضيقة، مما يسهل انتشار الفيروسات التنفسية (كالإنفلونزا وكوفيد-19) أو الفيروسات المنقولة بالتلامس والطعام (كفيروس نورو).
تصدير المرض لليابسة: الخطر الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الرحلة، بل يبدأ عند نزول الركاب حاملي العدوى إلى الموانئ، مما يهدد بنقل المرض إلى مجتمعاتهم المحلية.
من "زاندم" إلى "هانتا".. دروس مستفادة من جائحة 2020
تعيد هذه الأزمات المتلاحقة إلى الأذهان ذروة جائحة "كوفيد-19" عام 2020، عندما تحولت السفن إلى بؤر موبوءة منبوذة عالمياً؛ مثل السفينة السياحية "زاندم" التي رفضت دول عدة استقبالها حتى رست أخيراً في فلوريدا، أو حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول" التي شهدت إصابة مئات البحارة.
التغييرات الجوهرية في صناعة الملاحة:
بفضل دروس "كوفيد-19"، أجبرت الهيئات الصحية الدولية شركات الملاحة على إدخال تحديثات صارمة تشمل:
تطوير أنظمة التهوية: تحديث الفلاتر وضمان تجديد الهواء داخل الكبائن للحد من الانتقال التنفُّسي.
تأهيل الكوادر الطبية: رفع كفاءة وتدريب الأطباء والطواقم الطبية على متن السفن للتعامل مع سيناريوهات الحجر الصحي السريع.
تبقى السفن، برغم كل التطور التكنولوجي والطبي، الخاصرة الرخوة في منظومة الأمن الصحي العالمي، حيث يمكن لراكب واحد مصاب أن يغير مسار الرحلة من ترفيه سياحي إلى عزل صحي مشدد.



