رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

رؤية معاصرة للنيابة العامة: إنفاذ القانون بروح إنسانية

النيابة العامة
النيابة العامة

تعد النيابة العامة شعبة أصيلة من شعب القضاء، أوكل إليها الدستور والقانون أمانة تمثيل المجتمع، من خلال إنفاذ صحيح القانون، في إطارٍ من استشعار عِظَم المسؤولية، واستحضار جلال الرسالة التي تضطلع بها باعتبارها سلطة تحقيقٍ واتهامٍ فعلية، تسعى إلى كشف الحقيقة بالدليل قبل ضياعه، وتفند الباطل بالحق، عدلًا وقصدًا.

وتتسم طبيعة العمل بالنيابة العامة بخصوصيةٍ بالغة، إذ تجمع بين طابعها القضائي الدقيق، ودورها المجتمعي المتصل بحماية الحقوق وصونها. ومن ثم، فإن الاقتصار على التطبيق المجرد للنصوص القانونية قد يؤدي إلى جمودٍ يبعدها عن واقع المجتمع الذي تعمل على حمايته، بينما يؤدي إغفال الجانب القضائي المتوازن إلى خروجٍ عن الإطار الأصيل لدورها. ومن هنا تتجلى أهمية التوازن بين هذين البعدين في أداء رسالتها.

May be an image of text

وفي هذا السياق، جاءت رؤية النيابة العامة في الآونة الأخيرة لتؤكد على ضرورة تحقيق هذا التوازن، من خلال ممارسة الاختصاصات القانونية في إطارٍ لا يغفل البعد الإنساني المتصل بطبيعة العمل ذاته، باعتباره عنصرًا أصيلًا في تحقيق العدالة الناجزة والفعالة.

May be an image of studying

ومن أبرز التطبيقات العملية لذلك اختصاص النيابات المختلفة بالإشراف على دور الرعاية، تحت إشراف مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين، عبر الزيارات الدورية ومتابعة أوضاع تلك الدور. ورغم أن هذا الاختصاص يُعد في جوهره وظيفيًا، فإنه لا يحقق غايته كاملةً دون تواصلٍ إنسانيٍ مباشر مع المقيمين بتلك الدور من أطفال ومسنين وذوي همم، بما يعزز الفهم الحقيقي لاحتياجاتهم ويضمن حماية أكثر فاعلية لهم.

May be an image of one or more people and text

وقد اتجهت هذه الرؤية إلى ترسيخ مفهوم الزيارة الإنسانية الفاعلة، بحيث لا يقتصر دور عضو النيابة العامة على الإطار الوظيفي المجرد، بل يمتد ليكون تفاعلًا إنسانيًا قائمًا على الإحساس بالمسؤولية والدافع الأخلاقي، مع إتاحة المجال لمشاركة عدد من أعضاء النيابة في هذه الزيارات بما يعزز هذا البعد الإنساني ويعمقه داخل بيئة العمل القضائي.

May be an image of one or more people and text

وقد أثمرت هذه التوجهات نتائج ملموسة ظهرت في بعض النيابات، من خلال ما تحقق من إنجازات واقعية، تمثلت في إنقاذ حياة أطفال، وإنهاء إجراءات استخراج أوراق ثبوتية لغيرهم، فضلًا عن تطوير بيئة التحقيق بما يتناسب مع الطبيعة النفسية للأطفال، في غياب المبادرات الرسمية أو التمويل، وإنما عبر جهود فردية نابعة من الإحساس بالمسؤولية الإنسانية.

كما تجلت صور هذا التفاعل الإنساني في مواقف متعددة، منها قيام بعض أعضاء النيابة بالمساهمة في علاج حالات حرجة للأطفال، أو إنهاء الإجراءات القانونية الخاصة بهم، إلى جانب إدخال مظاهر البهجة عليهم عبر توفير احتياجاتهم البسيطة، والاستجابة لاحتياجات دور الرعاية عند غياب الزيارات، بما يعكس حضورًا إنسانيًا فاعلًا يتجاوز حدود العمل التقليدي. كما امتد هذا الأثر إلى تطوير بعض غرف التحقيق لتصبح أكثر ملاءمة للأطفال نفسيًا، استجابةً لما تم رصده عن قرب من احتياجاتهم الفعلية.

May be an image of living room, indoors and text

ولم يكن لهذا التحول أن يتحقق لولا الدور المحوري الذي يقوم به مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين، من خلال الإشراف والمتابعة والتوجيه المستمر، بما أسهم في تحويل هذه الرؤية من إطارها النظري إلى واقعٍ عملي يعزز من جودة العمل القضائي، ويجسد جوهر رسالة النيابة العامة في حماية الفئات الأولى بالرعاية.

وفي الختام، تؤكد هذه التجربة أن العمل العام لا يزدهر إلا بتكامل البعد المهني مع البعد الإنساني، وأن من أراد الخير والعمل الصادق وجد له سبيلًا، بينما من آثر الجمود وجد لنفسه المبررات، ويبقى جوهر الرسالة قائمًا على أن العدالة لا تكتمل إلا بإنسانيتها.

تم نسخ الرابط