رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مراد مهداوي يكتب: أهلا بكم في زمن سميح الجلاد هدم القدوات وتغيير الثوابت في زمن السوشيال ميديا

المهندس مراد مهداوي
المهندس مراد مهداوي مستشار التخطيط الاستراتيجي

​تمر البشرية اليوم بمنعطف تاريخي حاد، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة لتحسين جودة الحياة، بل تحولت إلى "سلطة" عليا تعيد صياغة المفاهيم الكبرى. إن ظاهرة هدم القدوات وتغيير الثوابت ليست مجرد أثر جانبي عابر، بل هي نتيجة هيكلية لطبيعة الخوارزميات وصراع الانتباه في العصر الرقمي.
​أولاً: سيكولوجية "القدوة" من الكاريزما الأخلاقية إلى "التريند"

​تاريخياً، كانت القدوة تُبنى عبر "الزمن" و"الأثر". كان العالم أو القائد أو المصلح يحتاج لعقود من الثبات على المبدأ ليصبح نموذجاً يُحتذى به. في زمن السوشيال ميديا، حدث انقلاب جذري:

​ديمقراطية الشهرة المشوهة: منحت المنصات "ميكروفوناً" لكل فرد، وبدلاً من أن تبرز النخب، صعدت "الدهماء الرقمية". أصبح المعيار هو القدرة على إثارة الجدل لا تقديم النفع، مما خلق قدوات لحظية تفتقر للعمق القيمي.

​تفكيك الهيبة: القدوة التقليدية كانت تعتمد على مسافة من الوقار. السوشيال ميديا كسرت هذه المسافة؛ فالمتابع يرى "قدوته" وهو يأكل، وينام، ويمارس تفاهات يومية، مما أدى إلى "أنسنة" الرموز بشكل مفرط أفقدها قدرتها على الإلهام والتوجيه.

​صناعة "الإنسان الاستهلاكي": تحول المؤثر من صاحب فكرة إلى "واجهة إعلانية". القدوة اليوم لا تعلمك "كيف تفكر" أو "كيف تلتزم بخلق"، بل تعلمك "ماذا تشتري" و"كيف تستعرض حياتك".

​ثانياً: معول الهدم.. كيف تُنحت الثوابت وتُستبدل؟

​الثوابت هي "المرساة" التي تمنع المجتمع من الانجراف. في الفضاء الرقمي، تتعرض هذه المرساة لعمليات نحت مستمرة عبر:
​الإغراق بالمعلومات (Information Overload): عندما يُحاصر العقل بآلاف الآراء المتضاربة يومياً، يصاب بحالة من "الإنهاك المعرفي"، مما يجعله يتخلى عن ثوابته الراسخة بحثاً عن أي رأي "رائج" يريحه من عناء التفكير.

​تزييف الوعي الجماعي: استخدام "لجان رقمية" أو "بوتات" لإظهار رأي شاذ وكأنه هو "رأي الأغلبية". الإنسان كائن اجتماعي يميل لاتباع القطيع، فإذا رأى الثابت يتعرض للهجوم من الآلاف (وإن كانوا وهميين)، يبدأ في الشك بسلامة ثوابته.

عولمة القيم وسحق الخصوصية: تفرض المنصات (وهي غربية المنشأ في غالبها) نمطاً واحداً من القيم يركز على الفردية المطلقة والتحلل من الالتزامات الأسرية أو الدينية، وتصم من يتمسك بخصوصيته الثقافية بـ "الرجعية".

ثالثاً: ظاهرة "الاغتيال المعنوي" للرموز التقليدية

لم يكتفِ العصر الرقمي بخلق بدائل، بل شرع في تصفية القدوات القديمة عبر: ثقافة "النبش" في الماضي: البحث في أرشيف أي رمز فكري أو ديني عن هفوة أو رأي قاله قبل عشرين عاماً لتدمير مصداقيته اليوم، دون مراعاة لسياق أو تطور فكري.

التسفيه السردي: وضع العالم أو الفقيه في مقارنة ظالمة مع "تقني" أو "فنان" في قضايا لا تخصص له فيها، لإظهار الرمز التقليدي بمظهر العاجز عن مواكبة العصر.

اجتزاء النصوص: تحويل المحاضرات العميقة إلى "مقاطع ريلز" مدتها 15 ثانية، مما يفقد الفكرة سياقها ويجعلها تبدو ساذجة أو متطرفة، ليسهل الهجوم عليها.

رابعاً: التداعيات الاجتماعية والنفسية

هذا الفراغ القيمي لا يبقى فارغاً، بل يمتلئ بآثار كارثية: تشتت الهوية لدى الناشئة: المراهق اليوم يستقي منظومته الأخلاقية من 10 مصادر دولية مختلفة في اليوم الواحد، مما يخلق شخصية "هجينة" بلا جذور.

​ارتفاع معدلات القلق: عندما تصبح القدوة هي "المشهور المترف"، يشعر الإنسان العادي بالدونية والفشل لأن حياته لا تشبه "الفلتر" الذي يراه على الشاشة.

تفكك النسيج المجتمعي: غياب الثوابت المشتركة يعني غياب لغة الحوار؛ فيتحول المجتمع إلى جزر منعزلة تتصارع على "التريند" بدلاً من التعاون على البناء.

خامساً: خارطة الطريق لاستعادة المرجعية
​المواجهة ليست في "تحطيم الهواتف"، بل في امتلاك أدوات العصر لخدمة القيم: تفعيل "الفلترة الواعية": الانتقال من دور المستهلك السلبي إلى الناقد البصير. يجب تدريس "التربية الإعلامية" كمادة أساسية لفهم كيف تلاعب الخوارزميات بعقولنا.
​تجسير الفجوة: على القدوات الحقيقية (العلماء والمفكرين) النزول إلى الميدان الرقمي، ليس بوقار الأبراج العاجية، بل بلغة رشيقة، بصرية، ومختصرة تجذب جيل "التيك توك".

​إحياء "القدوات القريبة": التركيز على قدوة الأب، الأم، والمعلم. يجب أن نثبت للأجيال أن البطولة الحقيقية في الكفاح اليومي والالتزام الأخلاقي، وليست في عدد "اللايكات".

الاستثمار في المحتوى الرصين: دعم المنصات والمبادرات التي تقدم محتوى قيمياً بإنتاج فني عالٍ ينافس المحتوى التافه في جاذبيته.

الخلاصة: إن السوشيال ميديا هي مجرد "أداة"، لكنها أداة ذات شهية مفتوحة لالتهام كل ما هو ثابت ورصين. إن معركتنا القادمة ليست معركة تقنية، بل هي معركة وجودية على معنى الإنسان؛ فإما أن نبقى كائنات ذات جذور وثوابت، أو نتحول إلى محض أرقام في خوارزمية لا تعترف إلا بالاستهلاك والضجيج.

تم نسخ الرابط